• مصر
  • السبت 22 من يونيو 2019 -- 06:53:30 مساءً.

رئيس مجلس الإدارة
ســـعــــد ســـلــــيــــــم

رئــيس التــحريــر
خــالــد السكــران

الكيانات الأدبية المجهولة.. خلط للأوراق الثقافية

الأدباء: نبت شيطاني.. بلا نشاط ملموس 

من بين الظواهر اللافتة في واقعنا الثقافي. والمحرضة علي إلقاء الأسئلة. تزايد أعداد الكيانات المجهولة التي تستهدف شعاراتها تقديم إبداعاتنا إلي العالم. ثمة الاتحاد العالمي لتجمع الشعراء بين البحرين. الاتحاد العالمي لشعراء النيل والفرات. الاتحاد العالمي للأدباء. الاتحاد العالمي للقصة العالمية.. مسميات ضخمة تتجاوز هيئاتنا الثقافية التي نعرف حقيقتها. والأدوار التي تؤديها. وتلقي ظلالاً علي طبيعة ما تعلن عنه من أنشطة.
لا شك ــ والرأي للقاص أشرف خليل ــ أن هناك صروحاً ثقافية راسخة أسهمت في تشكيل وعينا الفكري. واضافت إلي مخزوننا الأدبي سواء السردي أو الشعري. منها ــ علي سبيل المثال لا الحصر ــ اتحاد الكتاب. نادي القصة. أتيليه القاهرة والإسكندرية. جمعية الأدباء. وقد شرفني نادي القصة وجمعية الأدباء بمنحي جوائز عن القصة القصيرة. وشرفت ايضا بالعضوية العاملة ببعض هذه الكيانات العملاقة مثل اتحاد الكتاب الدولي. اتحاد الشعراء العالمي. اتحاد القصاصين الدولي. إلخ من الأسماء الفضفاضة التي لا نعرف عنها شيئاً. متي تكونت؟ أين مقارها؟ من يمولها؟ من المؤسسين لها من الأسماء المعروفة علي الساحة الأدبية؟ ما المعيار الذي علي أساسه تمنح جوائز وشهادات؟ وما إسهامات المستحقين لهذه الجوائز؟ وغير ذلك من الاسئلة التي تمثل علامات استفهام.
أري أن علي وزارة الثقافة دوراً رقابياً هاماً في السيطرة علي هذه الظاهرة التي تنامت وتزايدت في الفترة الأخيرة. علي الجانب الآخهر لا أعفي الكيانات الرسمية ــ مثل اتحاد الكتاب ــ من المسئولية عن هذه الظاهرة مادام الاتحاد نفسه لا يمنح الفرصة العادلة لكافة المبدعين علي جميع الأصعدة وأصبح قاصراً علي اسماء بعينها سواء في التكريم أو المشاركة في المؤتمرات والندوات أو التمثيل وما إلي ذلك. فتصبح النتيجة الطبيعية هي ظهور كيانات موازية تسعي لإثبات ذاتها.
ومن زاوية ساخرة. يلاحظ الشاعر والقاص وائل سعيد انتشار العديد من الكيانات الثقافية والاتحادات العلمية. وبالطبع كل اطياف المهلبية. رافقها تكريمات ومنح وشهادات تقدير وما إلي ذلك من مثل هذه التفانين التي يبتدعها خيال مثل الذي كان لأنيس زكي في ثرثرة نجيب محفوظ. واللافت في هذه المستحدثات الجديدة التي يحظر ــ بالمناسبة ــ بيعها في الصيدليات. أنها جميعاً دولية. وغالباً ما تتجاوز حدود فهمنا. باعتبار أنها تجدد. وتختلف. وتحلق. وتغوص. فيصعب علي الوعي القاصر فهمها. كانت مشكلة الوسط الأدبي في زمن الأربعينيات وما بعده. ما لاحظه شيخنا محفوظ من دور الفتوة الذي يقتصر علي ضرب المنافسين. بينما دور الأتباع هو تلقي الضربات من الفتوة الخصم.
كان ذلك هو تصور شيخنا للواقع الأدبي.. نجوم يحصلون علي المكانة التي يستحقونها. ومحاولات تتطلع ــ بدأب ــ إلي بلوغ تلك المكانة. ويرصد المشهد نقاد يدركون معني الإبداع  وقيمة الكلمة. الآن تغير الحال. تأكد السداح مداح. وطرحت غرائبيتنا ثماراً مجهولة. نستلذ بتذوقها. أو تغيب فيها لذة التذوق. لكننا نتذكر ــ في كل الأحوال ــ مقولة توفيق الدقن: الحارة كلها حتبقي فتوات. أمال مين اللي حينضرب؟!.

كيانات غريبة 

ويذهب د.محمد سعيد شهاب الدين إلي أن الأدب إبداع ينبغي ألا يتقولب في كيان مؤسسي يحده ويخنقه. بل يجب أن ينبثق من وجدان كاتبه دون أن تقيده أغلال رسمية تفرض عليه قواعدها وشروطها فالأديب ليس موظفاً مكتبياً ولا تابعا لإدارة أو جهة غير ذاتيته وموهبته وإبداعه!. وهذا لا ينفي أهمية المؤسسات الثقافية الرسمية الفاعلة التي يتمثل دورها في تقديم الدعم المادي والمعنوي وخلق جو مناسب من التشجيع والتحفيز والمؤازرة لكي يحلق الكاتب في سماء إبداعه دون قيود. وبما يحقق خروج عمله للنور في أبهي حلة وتحقيق طموحه ومجده الأدبي الذي يرضي عنه. واللافت في الفترة الأخيرة وجود كيانات هلامية تنتحل مسميات براقة وتدعي أن لها تمثيلاً إقليمياً أو عربياً وتأثيراً ملموساً في الأوساط الثقافية. لقد طفرت كنبات شيطاني لا يعلم مصادر تمويلها ولا يوجد لها نشاط ثقافي واقعي ملموس أو فعال علي الأرض. والسؤال الذي يطرح نفسه لمصلحة من ظهور هذه الكيانات العربية؟.. هذا لا يعني أن نقصر الكيانات الأدبية علي جهات مؤسسية بعينها. فلا مانع إطلاقاً من إثراء النشاط الثقافي بهيئات وجمعيات قوامها المثقفون والأدباء وأصحاب الذائقة الأدبية. ما يؤدي إلي دعم الإبداع الحقيقي. أما أن تطل علينا اتحادات تنتحل صفة دولية توهم المبدعين أنها تمثل اتحاداً عربياً أو إقليمياً كبيراً. فهي أشبه ببيوت العنكبوت خيوطها دقيقة ملساء لكنها لا تستر أو تحمي من يلوذ بها وتبددها نفحة هواء.
ويعدد الروائي محمد عباس علي ما ظهر أخيراً في الوسط الأدبي من كيانات تدعي صفة الدولية والعالمية مثل اتحاد الكتاب الدولي. اتحاد كتاب القصة الدولي. اتحاد كتاب ما بين النهرين وغيرها من صفات ليس لها أساس من واقع أو حضور مشهود فهي في نقاط سريعة يمكنها تلخيصها في الآتي: كيانات زائفة تسعي للشهرة.. تساهم في تدني الأدب عن طريق تبني أنصاف الموهوبين وغيرهم. وتمنحهم شهادات ما أنزل الله بها من سلطان.. تسعي لإقصاء الأدب الجاد من الساحة عن طريق التجاهل. وتعمد إلي تسليط الضوء علي محدودي الموهبة.. تأخذ نفوذها وسطوتها بواسطة ما لا يعرف أحد مصدره مما يساعدها في انتشار ألقاب ذات رنين عال. لكنها مكشوفة للجميع ويعرفون انها بلا معني.
علي الدولة التحقق من تلك الكيانات. وعدم السماح بتسللها وتحقيقها أهدافها الخبيثة. وبخاصة أنها تؤثر سلباً علي كيانات وطنية عريقة مثل اتحاد الكتاب. ونادي القصة وأتيلية القاهرة والإسكندرية وجمعية الأدباء وغيرها. فهذه قدمت الكثير عبر تاريخها. ورغم كونها كيانات أهلية فإنها لم تتوان يوماً عن تقديم الكثير من الثقافة الجادة والمحترمة. واحتواء الموهوبين بكل مالديها من إمكانات لنشر اعمالهم ومناقشتها. وعمل المسابقات الجادة الهادفة. وتسليط الضوء علي الأعمال الجيدة منها.

مشهد عبثي! 

وفي تقدير المترجم جمال المراغي. أن بناء الثقة يعد صعباً. ومعقدا في أحيان كثيرة. خاصة إن كان يتعلق بشأن ثقافي أو أدبي. ويزداد صعوبة علي مؤسسات اقتحمت المشهد الثقافي. وتجاهلت الاتحادات المحلية والآقليمية. كما أقدم ومازال يفعل "اتحاد الأدباء الدولي" وهو ــ بحسب ما جاء في صفحة الفيسبوك الخاصة به ــ مؤسسة خدمية أمريكية. فمن أين اكتسبت الصفة الدولية؟ ومن منحها إياها؟ وما أهدافها؟ ومصادر تمويلها؟ تساؤلات لا ترمي إلي الريبة ــ الحاضرة بطبيعة الحال ــ ولكنها واجب وحق.
يبدو المشهد الثقافي عبثياً. يزداد غموضاً واضطراباً مع ظهور كيانات عشوائية مبهمة تجذب بعض الكتاب بعد أن تقدم لكل منهم ما يرضيه ويرغبه أدبياً ومادياً عبر سبل مختلفة. كفرصة الحديث للجمهور في محاضرات وندوات. وما يمكن أن يقدم لهم نظير مشاركتهم كمتسابقين  أو مقيمين في مسابقات أو خلال تكريمات لهم. وتؤدي كلمة "دولي" أو "دولية" دورها في منح هذه الكيانات قيمة غير حقيقية ودائماً ما تجد ــ للأسف ــ من يساندها ويدعمها بل ويتباري في الدفاع عنها من قبل أن تحتاج لذلك. رغم قدم تغول مثل هذه الكيانات في جميع المجالات. والثقافة التي تهمنا بشكل خاص. إلا أنها مازالت تظهر مستغلة عشوائيتنا التي تناسبها تماماً. فمنذ عشرينيات القرن الماضي. تواجد "نادي القلم الدولي" الذي ربما تأسس بنوايا حسنة وأهداف حميدة. لكنه استغل بشكل سييء فيما بعد. واصبحت انشطته محل شك. طفت في الأفق اتحادات وروابط تدعي الدولية للشعراء والروائيين وكتاب القصص القصيرة وغيرها. وتتبعها مجموعة من حسابات التواصل الاجتماعي. تأتينا من الخارج. وتحاول أن تفرض نفسها وتواجدها. تبدو مجهولة وغامضة إلا من شخص يقدم نفسه كرئيس لاتحاد أو متحدث باسمه. وتقدمه بعض الصحف ككاتب وفنان وفيلسوف وغيره دون تقديم ما يدل علي ذلك. أما  مصادر تمويلها فهي غير معروفة ايضا. ويأتي ظهور مثل هذه الكيانات مخالفاً للطبيعة فالاتحادات الأدبية تنشأ محلياً وفق قوانين تسنها البرلمانات. وقد تتفق بعض هذه الاتحادات علي تأسيس اتحاد مشترك يكتسب الصفحة الدولية بطبيعة الحال. علي أن يحترم هذا الاتحاد الدولي دساتير وقوانين الدول الأعضاء. وينضم له أعضاء آخرون يعضدون من هذه الصفة الدولية. وتخضع الاتحادات المحلية التي تعد فروعاً للاتحادات الدولية. لرقابة الدول التابعة لها مالياً. ويجب أن يؤول للاتحاد المحلي كل ما يتعلق بمجاله في بلاده.