“رسالة نصية” .. قصة قصيرة ومحاكاة لرموز وشخوص ومشاهد مجتمعية ،لا تبتعد عن الواقع كثيرا بحلوه ومره وهمومه، يسطر حروفها الأديب أحمد رفاعي آدم بعد النجاح الذي حققته مؤخراً “الحرزاوية..ملحمة الأرض والعرض) الصادرة عن دار لمار للنشر والترجمة.
تنشرها منصة المساء علي حلقات “بإذن الله”.
………………

رسالة نصية ..
الجزء الأول: (1)
حكت له فتأثر، لكن ما حدث بعد ذلك كان خارج التوقعات.
كانت ليلة خريفية من تلك الليالي التي تغمرها حالة من عدم الاستقرار في الأحوال الجوية وكانت نوبادجية الدكتورة نوال. بدأ المطر يهطل عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تقريباً ورج هزيم الرعد الأرجاء. ولكونه حارس الأمن اضطر للبقاء عند البوابة واسلم جسده النحيل لماء السماء المنهمر يغسله وأغمض عينيه عسى روحه تتطهر أيضاً. راعه الصمت المخيم والفراغ الموحش المحيط بالمستشفى القائم بمنطقة الجامعة وهي منطقة خضراء واسعة لكنها غير مأهولة بالسكان فالتفت إلى بهو المستشفى حيث مكتب الاستقبال فلمحها واقفةً عليها معطفها الأبيض السميك وفوق كتفها سماعة الكشف كأنها عائدة من مرورها الدوري على المرضى. ابتسم فابتسمت وأشارت إليه ليدخل فلم يتردد. قالت بفطرة الأخت الكبرى:
– الجو صعب والمطر لا يتوقف في الخارج وسيادتك مصمم على الوقوف هناك. أما تشعر بالبرد يا نادر؟
بدأ يرتجف فقال:
– في الحقيقة جسدي أبرد من الثلج ولكن أكل العيش يا دكتورة.
فلوّحت بيدها في استهانة وأمرته أن يتبعها إلى مكتبها فمضى وأغلق البوابة الرئيسية ثم سار خلفها.
كان مستشفى الورود مستشفى خاص نظيف لا بالكبير ولا بالصغير مكون من طابقين يكسوهما من الداخل والخارج اللون الأبيض كأن المبنى بأكمله غطس في بحر من الحليب. خلف البوابة من الداخل ممران أحدهما يصعد بدرج سلم عريض والآخر يصعد باستواء دون درج وهو مخصص لإدخال المرضى فوق كرسي متحرك أو سرير بعجلات. يلي الممرين الصاعدين بابٌ زجاجي كبير مكون من ثلاث ضلفات لا تُترك سوى واحدة مفتوحة بينما الأخرتان لا تُفتحان إلا عند الضرورة. ولدى عبور الباب الزجاجي يستقبلك بهو واسع مستطيل الشكل مليء بالمقاعد الجلدية الوثيرة إلى يساره مكتب طويل على شكل قوس يُغلق جهة الجدار يجلس خلفه شاب شبه نائم هو موظف الاستقبال، وإلى اليمين شاشة 56 بوصة مثبتة في الجدار المقابل وثابتة على قناة الأفلام الأجنبية. ويبدأ بعد ذلك طابقي المستشفى بدرج صاعد بدوران مريح. الدور الأول العلوي به طرقة طويلة جداً تفتح أبواب غرف المرضى عليها وفي نهايتها حجرتي الأطباء المقيمين ويقابلهما حجرتا التمريض. وأما الطابق الثاني العلوي فكان مخصص لغرف العمليات وبه غرفتان للعناية الفائقة بالإضافة إلى معملين أحدهما للتحاليل والأخر للأشعة التليفزيونية.
صعد نادر الدرج خلف الدكتورة نوال بحذاء مبلل حتى بلغا حجرة مُعلق على بابها لافتة تحمل عبارة “الطبيب المقيم” ولكنها –بدلاً من الدخول- استدارت وطرقت على باب حجرة الممرضين ولما فُتح الباب وطلّ منه رأس نائم دفعت الشاب المبلل إلى الداخل وهي تقول بلهجة آمرة:
– جفف شعرك وجسدك وملابسك جيداً وتعال إلى مكتبي لنشرب حاجة دافئة.

ومضت إلى مكتبها دون أن تنتظر منه رداً فما كان منه سوى التلبية. أدخله عبد المتجلي التمرجي وساعده على تجفيف نفسه بل وناوله معطفاً جافاً بدلاً من سترته التي أفسدها المطر. شكره ومضى من فوره إلى حجرة الدكتورة نوال. كانت تجلس برفقة ممرضتين أيقظهما صوت الرعد وكانت إحداهما تُعِدُّ النسكافيه.
اتخذ نادر مجلسه أمام د. نوال وناولته كوبه ومع رشفات النسكافيه استعاد جسده البارد حرارته وردّت الدموية في وجهه. فقال بامتنان:
– لا أدري كيف أشكر حضرتك يا دكتورة.
ضحكت بملء فيها وقالت:
– لا شكر على واجب يا سيدي. (ثم بصدق) يا نادر أنت كأخي الصغير. أنا لو كنت تزوجت بدري كان صار عندي ابنٌ في مثل سنك، (وتنهدت وهي تتابع) ولكن هذه ضريبة دراسة الطب وشعارات النساء في إثبات الذات وتحقيق التفوق الذي يتخطى حدود الرجال. وكلها كانت شعارات زائفة، لم أشعر وأنا أتبناها سوى بقلة الحيلة. (ثم بضحكة مجلجلة) وغلاوتك أنا ما حسيت بكياني وذاتي غير بعد الزواج والخلفة. والله ما في أشرف للبنت من بيت وزوج وعيال وأكيد العمل ما لم يضر بالأسرة.
كان يعجبه كلامها وشخصيتها البسيطة المتواضعة التي لا تخجل من قول أي شيء ما لم يكن عيباً أو حراماً. وسألتها فتحية إحدى الممرضتين:
– إذن كم كان عمرك حين تزوجتي يا دكتورة؟
أجابت نوال بلا تردد أو خجل:
– تزوجت بعد الخامسة والثلاثين (ثم بحلقت في وجه محدثتها واستطردت) وأنا الآن كسرت الخمسة وأربعين يا فتحية حتى لا تسألي فأنا أعرف فضولك جيداً.
وجلجلت ضحكاتهن فلم يجد مانعاً من مشاركتهن. غير أنه توقف فجأة وكأنه تذكر شيئاً. ولاحظت الدكتورة نوال ذلك التغيير المفاجيء فسألته برفق:
– ما لك يا نادر؟ لماذا تغير وجهك فجأة؟ حتى ضحكتك كتمتها؟
قال وهو يحاول أن يرجع إلى نفس المزاج المرح:
– لا شيء يا دكتورة. فقط سرحت في البوابة التي تركتها. ربنا يستر ولا يحدث مرور من الشركة الآن.
قالت نظيرة الممرضة الثانية:
– يا أخويا بلا نيلة .. وهل هذا جو مرور وتفتيش؟ والمسيح، حتى لو حصل هجوم مسلح على المستشفى واستنجدْتَ بهم ما حضروا ولا كلَّفوا أنفسهم مشقة الخروج في هذا الجو المرعب. اطمئن يا أستاذ نادر.
وهز رأسه في بلادة ولكن مزاجه لم يتغير وظل على صمته المريب. فبادرته نوال بسؤالها:
– وغلاوتك، هناك خطبٌ ما. ولن أتركك حتى تفضي لي بما يضايقك.
وعبثاً حاول أن ينكر أو يتهرب لكنها حاصرته بعينيها الجريئتين وأخرست كذبه بصراحتها الطيبة فاستسلم. وبعد تنهيدة طويلة حملت تعب السنين قال:
– يعني .. ذكرني حديثك عن الزواج بحالي.
فقالت مستنكرةً:
– وما له حالك يا أخويا؟ أحلى من العسل والحمد لله!
ندت عنه ضحكة ساخرة وقال:
– عسل؟! والله أنتِ طيبةٌ يا دكتورة. (صمت .. رشف من كوبه .. ثم أكمل) نادر الذي أمامك لا يحلم بزواج، ولا أمل له في بيت ولا أسرة ولا عيال.
سألته بتعجب:
– ولماذا؟
أجاب باقتضاب:
– على قولك .. كسرت الثلاثين ولم أحظ بأدنى فرصة. كان لي تجربة وحيدة. خطبت جارتي وكانت زميلة لي في الجامعة واستمرت خطبتنا سنتين ثم فُسخت.
فسألته فتحية الفضولية وهي تغالب النوم:
– لماذا كفى الله الشر؟
أجاب:
– واحد لم يوفر قرش طيلة سنتين، كيف يستمر؟ كنت سأظلمها أو بالأحرى سأظلم نفسي.
أنهت نوال كوبها وقالت بحدة:
– يبدو أنك ضعيف الإرادة!
قال مدافعاً:
– بالعكس .. الذي أمامك كان مليئاً بالإرادة مفعماً بالحيوية، ولديه أحلام أجمل من الخيال ولكن … (ثم صمت قليلاً قبل أن يقول بخذلان) ضاع كل شيء وتحطم مركب الأحلام على صخرة الواقع المرير. تخرجت من كلية الحقوق وحلمت بالنيابة أو مجلس الدولة وقدمت أوراقي أكثر من مرة ورُفضت وقدمت مرات ومرات وفي كل مرة لا يتم قبولي مع إنني – على فكرة – متخرج بتقدير جيد جداً. وبعد محاولات أكثر وصلت إلى هنا .. فرد أمن!
واكتست ملامح نوال بالحزن والتأثر بينما فتحية ونظيرة غطتا في نومٍ هانئ. ولمحت في عينه بوادر دمعة متحجرة فربتت على كتفه وهو تقول:
– ربك كريم .. يا أهبل، هذه اختبارات قبل العطاءات!
قال بمزيد من التشاؤم:
– وأنا كرهت الاختبارات وزهدت في العطاءات.
واشتعلت طبيعة التحدي بداخلها فقالت بيقين:
– لا تظنن أنك الوحيد المبتلى، أبداً، الدنيا مليئة بالمهمومين يا نادر، والأمثلة كثيرة. ولماذا نذهب بعيداً؟ اسمع .. سأحكي لك عن انسانة قريبةٌ مني .. مرت –وأظنها لا زالت تمر – بتجربة قاسية ولكن الفارق بينكما أنها لم تستسلم وثقتي أنها لن تستسلم قبل أن تحقق مبتغاها. وحتى لا تظن أني أهذي، هي بنت أخي راشد التابعي، أكيد سمعت عنه؟
فانتبه فجأةً وطقطق أذنيه وهو يقول كالهيمان:
– ومن في بورسعيد كلها لا يعرف راشد بيه التابعي. ولكن تصوري يا دكتورة، هذه أول مرة أعرف أنكِ أخته.
ضحكت وقالت:
– هذا أحد أسراري التي لا أحب أن يعرفها الناس. ولكن لأجل خاطرك وغلاوتك كشفت لك عنه. فاسمع يا سيدي.

ومضت دون أن تشعر تحكي له عن أحلام ابنة أخيها الثري. أخبرته تقريباً كل شيء عنها في مضمون القصة الملحمية التي أرادت أن تستشهد بها لتؤكد له أن كل البشر مبتلون لتشد من أزره. أخبرته أنها فتاة عشرينية تقف عند حدود الخامسة والعشرين، خريجة إدارة أعمال، وتعمل في شركة والدها للاستيراد والتصدير وتحقق نجاحاً باهراً. وكشفت له عن عقبتها الوحيدة في ظل هذه الحياة الناجحة الباهرة الثرية وهي قلة حظها من الجمال. والمصيبة أن أختيها الكبرى وهي متزوجة والصغرى وهي طالبة متفوقة جميلتان مقارنةً بها. وأخبرته أن عقدتها زادت عندما فُسخت خطبتها بعد شهر واحد من الارتباط، فأدركت المسكينة بخس بضاعتها في سوق البنات وشعرت أن قطار الزواج سيفوتها. فتحولت مائة وثمانين درجة.
في البداية تقوقعت على نفسها في حالة من اليأس الصلب صعب الكسر، ثم سرعان ما خرجت من تلك الحالة إلى حالة أسوأ فتمردت أنوثتها، وقررت قنص حظها من الجمال بيديها بمساعدة مفاتنها والتي للحق كانت غنية. قلعت الحجاب وأهملت عملها ولا أبالغ إن قلت أنها كادت تستقيل وكثر خروجها واختلاطها بالشبان. وفجأة .. (وهنا توقفت وقد رأت أنها جذبته من جذوره وألقت به في أعماق حكايتها)، فما كان منه إلا أن صاح كالثور – لدرجة أن الممرضتين قفزتا في هلع قبل أن تسقطا مجدداً في نومهما – وسألها:
– ماذا حدث؟
قالت وابتسامتها من الأذن إلى الأذن:
– وفجأة وبين يوم وليلة تغير كل شيء وعادت أحلام إلى طبيعتها وشخصيتها العاقلة. لا يدري أحد ما الذي غيرها لكنها استعادت جزء كبير من ثقتها بنفسها ورجعت إلى عملها بروح أكثر مثابرة وصالحت والديها بعد أن تصالحت مع نفسها وواقعها. ولكن شيء أو الأصح شيئين ظلا على حالهما حتى لآن.
سأل مجدداً بفضولٍ لم يستطع ستره أو كتمانه:
– وما هما؟
نظرت في ساعة يدها ولاحظت أن الساعة تجاوزت الثانية صباحاً ونهضت وهي تتجه إلى الباب وتشير بيدها إلى الخارج وقالت:
– المطر توقف يا أستاذ نادر والوقت تأخر وعندي مرور الآن. تفضل من غير مطرود ونُكمل غداً.
وكالطفل الذي تعلق بلعبة ولا ينوي التنازل عنها ألح عليها لتقول ما الشيئين اللذين بقيا على حالهما في أحلام، وأمام إلحاحه المبالغ فيه رضخت وقالت:
– كل شيء عاد إلى طبيعته في أحلام إلا قلعها للحجاب وسعيها الزائد عن الحد للارتباط. دائماً تردد دون خجل أنها تحلم بفتى أحلامها .. ذلك الفارس الملثم الذي يخطفها على حصان أبيض ويمضي بها بعيداً .. (وهنا لمحت ابتسامته وأحست أن روحه الواثقة ثابت إليه فأحست أن مهمتها انتهت فقالت بجدية) والآن سيادتك امضِ أيضاً إلى خدمتك. تصبح على خير
تصبحي على خير يا أطيب دكتورة نوال في الدنيا.
– قالها وهو يغادر بوجهٍ ظل مبتسماً حتى بزوغ الفجر.
……………….
* يتبع في حلقة أخري.













