كانت تلك الصورة تلازمني لا تغيب عن ذاكرتي ولا أستطيع النظر إليها ،والحياة صارت أقصر مما ننتظر ولم ندرك ذلك ، فبين اللعب والحكايات والقصص الكثير من المتشابهات ، وذات مساء اشتدت العاصفة فأغرقت قريتنا في الماء وأصبحت الشوارع لجة من الطين مليئة بالماء لا نستطيع الحركة حتي بحثاً عن الأتربة التي لم يصل إليها المطر في المنازل فنصنع منها طريقاً نمشي عليه ، انتظرنا عدة أيام حتي تشتد الأرض وأصبحت القرية بلا سيارات تنقل الناس إلى المدن والبلاد المجاورة فالطرق وحلة مغطاة بالطين .
كان أحد أقربائي لديه سيارة جيب وتلك السيارات تستطيع الحركة في الطرق الوعرة ، فحضر للقرية حتي يسعف أهل البلدة ، ذات صباح كنا نلعب عند السيارة وإذ بسيارة قادمة من بعيد على الطريق تتقدم صوبنا الي أن وصلت جوارنا ، ونظرت فيها وإذ بأبناء عمومتي يحتضنون أبي بجوارهم لكنه لا يتحرك ولا يكاد يرانا فعيناه مفتوحتان لكن لا يتحدث ، فتقدم أحدهم من الناحية اليمني واحتضن أبي حاملاً إياه على كتفه ، كنت اتخيل أنه تم شفاؤه ، لكن تقدموا به نحو الشارع حتي وصل للمنزل وهو لا يدري بشيء كأنه غائب عن الوعي .
كان الأمل يراودني بأنني سأستمع لصوته أو حتي ابتسامته ، لكن كل الاحتمالات صارت سراباً ، فحين وجدته مسجي الجسد على سرير وضع في مكان الضيوف وحضر الأقارب من كل مكان واكتظ المكان بالناس والكل يمسح دموعه ومن يهمهم بتلاوة الآيات والأدعية أدركت شبح الموت يحلق فوقنا وبدأت أهازيج الموت ترفرف على الدار، ونظراتي صوبه أحاول أن أبدل نظراتي نحو الحضور إلا أن عيونهم شاخصة صوبه وكأنهم في انتظار شيئ ما ، وتخيلته حين كان يطوي الأرض حراكاً وحديثاً يتبختر في مشيته يخشاه الناس أدباً وتقديراً ، لكنه استسلم للفراش وأصبح طريحه فشعرت بطعم الموت وازداد حزني وأصبح الحنين للموت موتا أخر نريد أن نتقاسمه حتي لا أري تلك الصورة التي علقت في ذهني .
وسرعان ما انتهي كل شيء وارتفع صوت الموت وامتلأ المكان سواداً وتعالت الأصوات نحيباً ، وخرج الناس وأغلقت الأبواب لانتظار الرحيل ، كانت تلك الليلة أطول ليلة في حياتي كنت أدرك كل شيء لكن الصبر ملأ قلبي ، وخرجت من درانا للخارج أريد الصعود للبيت بأي شكل فلابد من شيء أريد تنفيذه وبسرعة ، لم استطيع دخول المنزل من كثرة النساء اللاتي يبكين ويلوحن بالسواد في وجوه الناس تنادي كل منهن بصفة على الميت ، فدخلت بيت خالتي وكان قريبا من بيتنا وصعدت للأعلى حيث أسطح المنازل تتلاصق فعبرتها حتي وصلت لبيتنا نزلت ودخلت غرفة والدي وكانت بها صورة صغيرة معلقة أخذتها من ذلك البرواز واحتفظت بها ولم يدر بها أحد ابداً وظل الجميع يسأل عنها كثيراً ؟ تملكني الصمت! واحتفظت بها ملفوفة في لفافة بيضاء واحكمت اغلاقها ، وحين وصلت الي المرحلة الثانوية أخرجتها ونظرت فيها ثم أعدتها مرة أخري وهكذا افتحها ثم اعيدها الي حالتها الي أن انهيت الدراسة الجامعية فأخرجتها ونظرت اليها مرة أخري ، لكن ما زلت لا استطيع النظر رغم مشاهدتي للكثير من الصور دون أن تحدث لي شيئاً الا تلك الصورة تذكرني حين انظر اليها استمع لذلك البكاء والنحيب وجسد مسجى أمامي وجلوس والدتي ودموعها تنساب فتمسحها حين تجدني وكأنها تمتلك القوة أمامي ، لكن أدرك أن كل ذلك يكلفها الكثير من المعاناة القاسية والألم ، ومرت الأيام والسنون وعدت للصورة الا أنها اعادت لي تفاصيل تلك الليلة وكأنها رنين عالق في نوافذ ذكرياتي فأصبح الحنين للموتى كأس نتجرعه كلما كانت ذكراهم باحثاً بين الدموع عن وطن وقلب حاني يأويك ، فتتوهم وجودهم بعد كل هذا العمر ، لكن جدار الصمت عميق ….ومازلت تتوهم ذلك الصوت وتلك الصورة .














