بقلم: الشيخ محمد عبدالعزيز
لقد جعل الله حياة الإنسان في هذا الكون تسير وفق نظام دقيق في جميع جوانبها، فالإنسان لم يخلق سدى ولم يترك عبثًا؛ قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) [المؤمنون: 115].
ولذلك فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وأقام الحجة، وبيّن طريق الخير والفلاح، وحذّر من طريق الضلال والانحراف، وجعل لهذه الحياة نهاية ليكون بعدها الثواب والجزاء والحساب والعقاب والجنة والنار؛ قال تعالى: (وَاتّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].
وخلال مسيرة حياتنا هناك أعمال وتكاليف ربانية يجب على الفرد والمجتمع والأمة القيام بها، وهي تحصى علينا وتسجل في كتاب؛ فكل شيء مسجل ومحسوب ويتم توثيقه في سجل لا يغير ولا يبدل ولا يزور؛ قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة:6].
وقد وكل الله بكل إنسان ملكين من ملائكته؛ أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات؛ قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10-12]، فسبحان من لا تخفى عليه خافية ، ومن لايغفل عن عباده لحظة،
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: “قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات، فقال: “إن الله -عز وجل- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط ويَرْفَعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعملُ النهار قبل الليل…”. رواه مسلم.
قال المناوي: “معناه يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، وعملُ الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الحَفَظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل”.
حتى يوم الجمعة تشهده الملائكة ليكتبوا ويسجلوا الذين يحضرون المساجد للصلاة، بل يسجّلون متى حضر فلان؟! ومتى حضر فلان؟! وهناك من لا ينال هذا الشرف بتقصيره وتساهله، وانظروا عندما ترفع حافظة دوام حضور وانصراف الموظفين فيكتب كل واحد مجتهد وحريص على عمله لينال كلمة شكر أو ثناء من مديره، فكيف بمن يثني عليه الله -سبحانه وتعالى-!!
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشًا ثم دجاجة ثم بيضة، فإذا خرج الإمام -أي صعد المنبر ليخطب- طووا صحفهم وجلسوا يستمعون الذكر”. رواه البخاري .
وترفع الأعمال إلى الله كل يوم اثنين وخميس من كل أسبوع؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: “تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرءًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا -أي: أخروا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا”. مسلم.
وهذا بمثابة التقرير الأسبوعي عنك يا ابن آدم، فأين العمل وأين الحياء من الله؟! وأين المسابقة والمنافسة على الأعمال الصالحة؟! وصدق الله إذ يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47].
وأما التقرير السنوي الختامي لأعمالك فإنه يرفع في هذا الشهر -شهر شعبان- الذي قد يغفل الناس عن فضائله ومنحه وجوائزه الربانية، فقد شرع فيه جميع أعمال البر من الصدقة وقراءة القرآن والذكر والصيام، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم أكثر أيامه، وعندما سئل عن ذلك أخبر -عليه الصلاة والسلام- أنه شهر ترفع فيع الأعمال؛ عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “شعبان بين رجب وشهر رمضان، تغفل الناس عنه، تُرْفع فيه أعمال العباد، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم”. صحيح الجامع:3711.
فانظر وتأمل وفكر، كيف سترفع أعمالك؟! وهل هي أعمال ترفع الدرجات؟! أم أنها أعمال تستحي أن تعرضها على إنسان مثلك، فكيف برب الأرض والسماوات الذي خلقك ورزقك وأسبغ عليك نعمه الظاهرة والباطنة؟! هل هذا التقرير يؤهلك للنجاح والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة؟! أم أنها أعمال ظلمت فيها وقصّرت في العبادات وارتكبت المحرمات ، وأخذت حقوق العباد دون وجه حق، وكذبت وزوت وشهدت شهادة الزور وعققت والديك وقطعت رحمك… فإذا كنت كذلك فجدد العزم والتوبة النصوح، واستغل أيامك في طاعته سبحانه قبل أن تنزل بك السكرات، ويفاجئك الموت، وتنقطع الأسباب.
وها نحن في شهر شعبان، انطلق منه لحياة جديدة وعام جديد، وهو شهر يستعد فيه العباد لاستقبال شهر رمضان بتهيئة النفوس بالطاعات والعبادات؛ قال سلمة بن كهيل: “كان يقال: شهر شعبان شهر القرّاء”. وقال أبو بكر البلخي: “شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع”، وقال أيضًا: “مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان ؟؟.
في هذا الشهر ليلة عظيمة ينظر الحق -سبحانه وتعالى- إلى عباده، فيمُنّ عليهم بالغفران وتتنزل عليهم الرحمات، روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله ليطّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”. رواه ابن ماجه .
فالمغفرة والرحمة في هذه الليلة لجميع عباد الله المؤمنين إلا من لم يحمل صفتين: الأولى خطرها عظيم على العقيدة وهي الشرك !
وأما الصفة الثانية التي يحرم صاحبها من عفو الله ومغفرته في هذه الليلة فهي المشاحنة والمخاصمة والعداوة بين المسلمين، بين الآباء والأبناء، وبين الجيران والأصحاب والأصدقاء، وبين الأسر والعائلات فلماذا لا يعفو بعضنا عن بعض؟! ويسامح بعضنا بعضًا؟! ويتنازل بعضنا لبعض؟! ولنحذر من فساد ذات البين؛ عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟!”، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”.
ولنكن ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10].
والعفو خير ما ينفقه الإنسان ويتقرب به العباد؛ يقول تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 219]. ومن أراد أن يعفو الله عنه فليعفُ عن خلقه، فكم من خصومات بين الناس والأهل والجيران والإخوة!! وكم من قلوب ممتلئة على بعضها البعض بالحقد والغل والبغضاء والحسد!! فلماذا لا يسامح بعضنا بعضًا؟! فهل من عفو يبني به المؤمن عزًا ويرفع به قدرًا لنفسه في الدنيا والآخرة ويحفظ به سلامة مجتمعة وأمنه وازدهاره؟! عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”. رواه مسلم.
فهل نستفيد من هذا الشهر ونستغل أوقاته بتصفية العقيدة والتوحيد الخالص لله!! ولنحافظ على العبادات ولنتزود من الطاعات، فرب معصية أورثت ذلاً، ورب طاعة بنت عزًا ورفعت قدرًا، ولنحذر من الشحناء والبغضاء، ولنصفِّ قلوبنا من الحقد والحسد، وليعفُ بعضنا عن بعض، ولنتراحم فيما بيننا.














