بقلم ✍️ د. السامحي عبدالله
(إمام وخطيب بوزارة الأوقاف)
ممَّا لا شك فيه؛ أنّ تلاوة القرآن أَمرٌ رَغَّبتِ الشريعةُ فيه، وحثَّتْ عليه، قال –تعالى-: {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا}(المزمل: 4)، ولِمَ لا؟! فهو مناطُ السعادة، وهو المخرجُ من الفتن؛ وهو أمانُ القلب وطمأْنِينتُه، وهو أمَانُ المسلم وسلامتُه من الوقوع في نوع من أنواع هجر القرآن، لكنْ؛ لا ينبغي الاقتصارُ على تلاوته دون العمل به، فإن كان تركُ تلاوته وترك الاستماع له من هجرانه؛ فكذلك تركُ تدبرِه وتفهمه وترك العمل به أيضًا من هجران القرآن.
فاقرؤوا القرآن، وتدبروا معانيه، وتفكروا آلاءه، فكَمْ من آيةٍ في القرآن الكريم تدعونا إلى التفكر!! والتأمل والتدبر في كلام الله –عز وجل- قال تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(ص: 29)، وقال –سبحانه-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد: 24)، وتَأَملْ هذا التعبير القرآني البليغ:{أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، أي: بل؛ على قلوبٍ أقفالٌ أقفلها الله –عز وجل- عليهم فهم لا يعقلون – نسألُ الله العافية- وقال مجاهد: “أَحبُّ الناسِ في القراءة إلى الله أعقَلُهُم عنه”، وقال أبوبكر بن طاهر: ” تَدبَّرْ في لطائف خطابِه، وطَالِبْ نفسَكَ بالقيامِ بأحكامه، وقَلْبَكَ بفَهمِ معانيه، وسِرَّكَ بالإقبال عليه”.
وتَعالَوْا بنا نُحَلِّقُ في سماء القرآن، لنرى نعمةً مِن نعم الله – مَنَّ اللهُ علينا بها – ما أحوجَ العبادَ إليها؛ في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بَنون، تلك النعمةُ ينالُها العبد بالقرآن – ألا وهي الشفاعة- وما أروع الحديث عن شفاعة القرآن، ونحن في شهر القرآن، وقلوبنا مغمورة بالأمل، تنشد رحمة الله، وترجو رضاه، وانظروا؛ كيف اقترنت شفاعة القرآن بشفاعة الصيام!! في حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: “الصيامُ والقرآنُ يَشفعانِ، يقولُ الصيامُ: أيْ ربِّ! إِنَّي منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِي فيه، ويقولُ القرآنُ: منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفِّعْنِي فيه، فيَشْفَعانِ “(أخرجه الإمام أحمد)، يقول الـمُناوِيُّ في كتاب فيض القدير: ” أي: يُشفعهما الله –تعالى- ويدخله الجنة، وهذا القول يحتمل أنه حقيقة؛ بأنْ يجسد ثوابهما، ويخلق الله فيه النطق، ويحتمل أنه يوكل ملكًا يقول عنهما…”، وفي هذا الحديث فضلُ الصيام والقرآن وإثباتُ شفاعتهما.
كذلك… مما يجدر بيانه؛ في الحديث عن القرآن الكريم، أنَّ القرآنَ نورٌ؛ بنص كلام الله -تعالى–: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}(النساء: 174)، والنُّورَ الْمُنَزَّلَ هو القرآنُ، وسُمِّي نورًا لأنَّ به تُتَبَيَّنُ الْأَحْكَامُ وَيُهْتَدَى به من الضَّلالة.
وَرِسالةٌ… إلى حَمَّالِ الهُّمُوم!! ضَعْ عن كاهِلِك ما تَحْمِل؛ بتعاهُدِ القرآن وملازمتِه، رِسالةٌ… إلى مَنْ يَشكو ضِيقَ الصدر، وحرمانَ الراحة، والقلقَ والأرق الدائبين، عليك بالنور المبين، عليك بالقرآن الكريم، وإيّاك إيّاك وهجرَ القرآن –تلاوةً أو تدبرًا أو عملًا- فقد قال ربنا –عز وجل-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طه: 124)، ذكر القرطبي –رحمه الله- في تفسيره أنه ” لَا يُعْرِضُ أَحَدٌ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ إِلَّا أَظْلَمَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ وَتَشَوَّشَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَكَانَ فِي عِيشَةٍ ضَنْكٍ”.
وأودُّ أن أُشيرَ إلى صفةٍ –ينبغي التحلي بها عند تلاوة القرآن- ألا وهي الوَجَل؛ والوجلُ: هو الخوف والفزع من عذاب الله؛ قال ربُّنا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}(الأنفال: 2)، وقد يُظنُّ أنّ هناك تعارضًا بين تلك الآية، وبين قول الله –تعالى- {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(الرعد: 28) فكيف يجتمع الفزع والطمأنينة في القلب؟!
والحقُّ الذي لا مِراء فيه ولا شُبهة؛ أنه لا تعارض ولَا تَنَاقُضَ، فقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قوله: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ}(الزمر: 23)، أَيْ: تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينُ إِلَى اللَّهِ وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ اللَّهَ، فَهَذِهِ حَالَةُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، الْخَائِفِينَ مِنْ سَطْوَتِهِ وَعُقُوبَتِه.
أحبتي في الله؛ أُوصي نفسي وإياكم بالقرآن، فالقرآن هو منهاج الحياة، والسعادة كل السعادة في تلاوته والعمل به.
وخِتامًا؛ أسأل الله –تعالى- أنْ يُعينَنا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.














