يقول الدكتور محمد يوسف ،الباحث الإسلامي، وموجه شؤون القرءان الكريم بمنطقة سوهاج الأزهرية :إن من أعظم الجرم ،وأكبر الخسران أن يعود المرء بعد الغنيمة خاسراً وأن يبدد المكاسب التي يسرها الله عز وجل له في شهر رمضان ، وأن يرتد بعد الإقبال مدبراً وبعد المسارعة إلى الخيرات مهاجراً وبعد عمران المساجد بالتلاوات والطاعات معرضاً ؛ فإن هذه الأمور لتدل على أن القلوب لم تحيا حياة كاملة بالإيمان ،ولم تستنر نورها التام بالقرآن، وأن النفوس لم تذق حلاوة الطاعة ولا المناجاة، وأن الإيمان ما يزال في النفوس ضعيفاً، وأن التعلق بالله عز وجل لا يزال واهناً ،فقد قال الشاعر :
غداً توفى النفوس ما كسبت … ويحصدُ الزارعونَ ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم … و إن أساءوا فبئسَ ما صنعوا
ويضيف الباحث في الشريعة الإسلامية أن الناس في رمضان كانوا على ثلاثة أقسام :
الأول :قسم ظالم لنفسه ؛لم يصم رمضان صوماً حقيقياً فلم يحفظ حدوده، ولم يصم لسانه عن اللغو والبهتان ،ولا سمعه عن سماع الباطل وكل ما يغضب الرحمن ،ولم تصم عيناه أيضا عن النظر المحرم الغفلان ،ولم تصم بطنه عن أكل الحرام ، ولا يداه وقدماه عن الفحش والبهتان ، فهذا كان حظه من صومه العطش والجوع وتحصيل الذل والخنوع ،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ. أخرجه أحمد
فهؤلاء لم يأخذوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الإيمان إلا رسمه ،فهم قد وقفوا عند مرتبة الإسلام ولم يتجاوزها بعد إلى مرتبة الإيمان .
أما القسم الثاني :قسم مقتصد ؛صان نفسه عن كل ما يغضب الله وحفظ صومه من اللغو والباطل , كما قال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح ، وليكن عليك وقار الصيام ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك .
وهؤلاء هم من تجاوزوا مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان ولكنهم بعد لم يصلوا إلى مرتبة الإحسان .
والقسم الثالث :هم من سبقوا بالخيرات وتنافسوا على تحصيل الحسنات ،فهم المحسنون الذين وصلوا إلى مرتبة الإحسان فعبدوا الله حق العبادة، وراقبوه حق المراقبة، فهم المتميزون في صومهم وعبادتهم وأخلاقهم، فلم يصوموا كما يصوم الناس بل جعلوا صومهم خالصاً لله رب العالمين فصانوه من الشوائب وحفظوه من السفاسف والمعايب ،فصارت ألسنتهم تلهج بالذكر والدعاء، وقلوبهم عامرة بالصفاء والنقاء ،فقرأوا القرآن وتدبروا معانيه، وقامت قلوبهم بالليل تصلي لله وتناجيه.
ويؤكد د.محمد أن تلك الأقسام الثلاثة هي التي عناها الله تعالى في محكم تنزيله فقال سبحانه ” ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ. سورة فاطر .














