مادفعني لكتابة هذا المقال هو كثرة الجدل والمناقشات التى دارت فى الفترة الأخيرة حول تحريم الموسيقى بشكل قاطع من بعض العلماء والشيوخ عندما يجيبون على من يسألهم عن حكم الإسلام فى الموسيقى والغناء .
وكلنا يعلم أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، فلو نظرنا أولا لتعريف الموسيقى فسنجد أنها عبارة عن : نغمات وألحان منسجمة متسلسلة ومنظمة تنظيماً دقيقاً تريح من يسمعها وهى تتكون من عنصرين اساسيين هما الإيقاع واللحن.
ومن خلال هذا التعريف سنجد أن الموسيقى توجد بالفعل حولنا فى الطبيعة التى خلقها الله سبحانه وتعالى لنا ، فنجدها فى صوت تغريد الطيور وخاصة صوت البلابل، وفى صوت خرير الماء ، وفى صوت حفيف الأشجار ، وفى صوت الرياح ، وهذه الأصوات الآتية من الطبيعية تكون دائما سببا فى سعادة كل من يستمع إليها لأنها عبارة عن سيمفونية ربانية لادخل للإنسان فيها من قريب او بعيد .
والانسان بفطرته يحب الموسيقى منذ ولادته والدليل على ذلك هو نوم بعض الأطفال عند سماعهم لبعض الأنواع من الموسيقى الهادئة أو سماعهم لبعض الأغنيات التى كانوا يسمعونها من أمهاتهم قبل ولادتهم ..فهل يمكن أن تتحرك فطرة الإنسان التى فطره الله عليها نحو شيء حرام قبل أن يتعرف على أى شيء فى هذه الدنيا ؟
وأنا أتعجب ممن يحرمون الموسيقى تحريماً قاطعاً بكل أشكالها وألوانها دون النظر إلى أن الأبحاث أثبتت بالدليل القاطع أن بعض الأنواع من الموسيقى كانت سببا فى علاج بعض الأمراض ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
مرض التوحد عند الاطفال ، ومرض الزهايمر عند كبار السن، وبعض الأمراض النفسية ، وبعض المشاكل السلوكية ، وفى علاج مرض الصرع ، كما ثبت علميا أيضاً أن الموسيقى كانت سببا فى علاج بعض أمراض القلب وحدوث زيادة فى كفاءة القلب عند الاستماع للموسيقى .
كما أن للموسيقى فائدة عظيمة فى تخفيف بعض حالات التوتر النفسى ، وفى إصلاح بعض السلوكيات الشاذة لأنها يمكن أن تصل بالإنسان إلى حالة من السمو الأخلاقى والنفسى .
ومازال العلماء يبحثون ويتوصلون كل يوم إلى أمور واكتشافات جديدة فى مجال العلاج بالموسيقى ودورها فى شفاء بعض الأمراض المزمنة مثل السرطان وغيره من الأمراض التى أعيت العلماء والأطباء بحثاً عن طرق لعلاجها .
ونأتى الآن إلى مايفعله بعض الشيوخ والعلماء المتشددين من نشرهم لبعض الفتاوى منهم لإثبات أن الاستماع إلى الموسيقى والغناء بشكل عام أمر محرم لاعتقادهم بأن الموسيقى تلهي من يستمع إليها عن أداء فروض الله وتجعله يهجر كتاب الله قراءة وحفظاً ، وهذا الأمر بالطبع غير صحيح على الإطلاق فهناك الكثيرون ممن يعملون فى المجال الموسيقي وممن يستمعون للموسيقى الراقية يقرأون ويحفظون كتاب الله كاملاً أو يحفظون بعضاً من أجزائه .
وللأسف الشديد أن هؤلاء المتشددين يستندون فى تحريمهم للموسيقى على بعض الأحاديث النبوية الضعيفة أو المعلقة مثل حديث البخارى :أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
ليكونن من أمتى أقوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» رواه البخاري في الصحيح معلقًا..
وكلام النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان عن الأقوام الذين يتخذون هذه الأمور فى الحياة لهم سبيلا وهى : الحر (الزنا) والحرير، والخمر والمعازف ، ولايعنى سرد هذه الأمور بشكل متتالي أن جميعها تشترك فى نفس الحكم وهو التحريم . والدليل على ذلك أيضا هو توالي ذكر الكفر بالله وعدم إطعام المسكين فى قوله تعالى :
إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ “(34) (الحاقة) .
فقد جاء هذان الأمران بشكل متتالي رغم عدم اشتراكهما في نفس الحكم…فالكفر بالله أمر عظيم يكون سبباً فى عذاب صاحبه ، أما إطعام المسكين فهو عمل خيرى تطوعي لا يُعذَب تاركه .
وهذا التفسير لهذا الحديث كان سبباً فى اختلاف العلماء حوله فمنهم من قال إن هذا الحديث ليس صحيحاً وإنما هو من الاحاديث المعلقة ، ومنهم من قال بأنه حديث صحيح، كما أنهم اختلفوا أيضا فى معناه ، فمنهم من قال انه لايعنى أبدا تحريم المعازف بكل اشكالها تحريماً مطلقاً .
أيضا استند هؤلاء العلماء الذين يحرمون الموسيقى والغناء على بعض الآيات القرآنية التى قالوا أن المقصود فى تفسيرها هو تحريم الموسيقى بكل أنواعها ، و لكن فى الحقيقة أنه لم يرد نص قرآنى صريح فى كتاب الله تعالى يدل على أن الموسيقى والغناء والمعازف حرام بشكل قاطع .
ومن هذه الآيات التى يستندون عليها فى حكمهم بالتحريم قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} (لقمان:60)،
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:3)،
وقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (الإسراء:64)،
وقد فسر هؤلاء العلماء أن معنى اللهو ، واللغو ، والاستفزاز بالصوت أن المقصود به هو الموسيقى ، مع أن اللهو يمكن أن يطلق على أى أمر يلهي الإنسان عن طاعة الله ، كما أن معنى اللغو فى اللغة هو الكلام الذى لايُعتد ولايؤخذ به ولايحصل منه على فائدة ولا نفع .
ومن جهة أخرى فقد صنف في إباحة الآلات والمعازف جماعة من أهل العلم: كابن حزم الظاهري في رسالته في السماع، وابن القيسراني في كتاب “السماع”، والأدفوي في “الإمتاع بأحكام السماع”، وأبي المواهب الشاذلي المالكي في “فرح الأسماع برخص السماع “، وغيرهم الكثيرون.
وأيضا ممن صرح بإباحة الآلات والمعازف حجة الإسلام الشيخ الغزالي رحمه الله حيث قال: “اللهو معين على الجِد، ولا يصبر على الجد المحض والحق المُر إلا نفوسُ الأنبياء عليهم السلام؛ فاللهو دواء القلب من داء الإعياء والملال؛ فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. فإذًا اللهو على هذه النية يصير قُربة لأنه سياتى لصاحبه بمنفعة فى حياته وفى دينه .
وأيضا هناك سلطان العلماء العز بن عبد السلام فقد نُقل عنه أنه قال : أن الغناء بالآلات وبدونها قد يكون سبيلاً لصلاح القلوب فقال: “الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب من الخارج؛ فيكون بالقرآن، وهؤلاء أفضل أهـل السماع، ويكون بالوعظ والتذكير، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات المختلف في سماعها، كالشبابات، فإن كان السامع لهذه الآلات مستحلاًّ سماع ذلك فهو محسن بسماع ما يحصل له من الأحوال .
وعلى ذلك فيجب على كل من يحرم الموسيقى من الشيوخ والعلماء وغيرهم تحرى الدقة فى هذا الأمر لانها من الأمور المختلف عليها وليست من الأمور المتفق على تحريمها ، ولانه لم يرد نص صريح فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية الشريفة يحرم الموسيقى وينهى عن سماعها ، والدليل على ذلك إباحة بعض علماء المسلمين سماع الموسيقى المجردة أو التى تصاحب الكلمات الهادفة سواء كانت دينية أو وطنية أو تعليمية , فالموسيقى مثلها مثل أى أمر من أمور الحياة (حلالها حلال وحرامها حرام ) ، والغناء أيضا ( حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ).
وفى النهاية يجب علينا جميعا ألا ننسى أو نتناسى أن هناك مئات الآلاف من البيوت المفتوحة والتى يعمل أصحابها فى المجال الموسيقى مابين مدرسين للتربية الموسيقية فى المدارس أوالكليات والمعاهد الموسيقية أوالمؤسسات التعليمية المختلفة والتى يتم تدريس الموسيقى بها، وتكرار هذا الكلام عن تحريم الموسيقى بشكل دائم سيؤدى إلى حدوث حالة من التخبط والبلبلة بين هؤلاء الأشخاص الذين يعملون فى هذا المجال لخوفهم من عقاب الله لهم فى الدنيا والآخرة والذى يحاول أن يرهبهم به كل من يتحدث عن تحريم الموسيقى والغناء فى كافة وسائل الإعلام وفى مواقع التواصل الاجتماعى .
هدانا الله جميعا إلى الطريق المستقيم وإلى فعل كل مايرضيه عنا وتجنب كل مايغضبه علينا ، وأن يجعل أحسن اعمالنا خواتيمها ..اللهم آمين













