“رسالة نصية” .. قصة قصيرة ومحاكاة لرموز وشخوص ومشاهد مجتمعية ،لا تبتعد عن الواقع كثيرا بحلوه ومره وهمومه، يسطر حروفها الأديب أحمد رفاعي آدم بعد النجاح الذي حققته مؤخراً مجموعته القصصية ” مغترب مع سبق الإصرار”ثم رواية “الحرزاوية..ملحمة الأرض والعرض) الصادرة عن دار لمار للنشر والترجمة.
تنشرها منصة المساء علي حلقات..
………………
رسالة نصية ..
الحلقة الثانية: (2)
……………………….
دار رأس نادر مما سمع. ثَمِلَ بامتياز. لم يكن التأثر، ولم تكن الشفقة، ولا أي شيء من هذا القبيل. كان شيئاً آخر .. شيئاً أبهم من أن يُعرف وأعمق من أن يُبلغ. شرد ذهنُه وتكرر سرحانُه كثيراً سواءً وهو بمفرده أو مع غيره. في النهاية اتخذ عقله القرار رغم احتجاج ضميره لكنه لم يتردد ومضى ينفذ خطته. لم يستغرق وقتاً طويلاً ليجد حسابها على الفيسبوك ولم يتوانى في إرسال طلب الصداقة باسم مستعار وبالطبع لم تتردد هي في قبول طلب شاب صورة غلافه حصان أسود ويدعي أن فيلمه المفضل هو الفارس الأول لريتشارد جيير.
في أول لقاء جمعهما على الانترنت احتدت مشاعره ونازعته نفسه ما بين الشهوة والحب. أيهما كان يمتلكه ويدفعه في تلك الأثناء وهما إحساسان متناقضان بينهما هوة سحيقة ومسافة شاسعة؟! انساق مع التيار وجرفه حتى حافة الكذب وهي أخطر بداية لأي علاقة. أخبرها أنه مرشد سياحي وعمله بين الأقصر وأسوان والبحر الأحمر. قص عليها مغامراته فوق جبال الجنوب وبين أروقة المعابد الفرعونية وفي عمق البحر الأحمر حيث الشعاب المرجانية والأسماك الملونة. سحرها بكلامه.. أسرها بخياله الخصب.. انتقى اهتماماته وميوله بعناية، ونمَّق ألفاظه لتعلق بذهنها وتُحفر في قلب قلبها. كان ماهراً وفرش لها من البحر طحينة كما يقولون فتعلقت بحبائله وتواعدا على اللقاء مجدداً.
وتعددت لقاءات الفيسبوك بعد ذلك واندمجا ونمت علاقتهما كما ينمو نبات الصبار في الصحراء القاحلة دون الحاجة إلى ري. وفي أقل من شهر ذابت أحلام في نادر وارتمت بكلها وكيانها وحاضرها ومستقبلها وأبعاد زمانها بين يديه. وُلدت من جديد واكتمل نموها وأعلنت للجميع أنها سعيدة جداً قانعة متفائلة فقد شبعت بعد جوع ورُويت بعد ظمأ. وانتظرت أن تراه بشحمه ولحمه بفارغ الصبر. أخيراً أخبرها أنه سيزور بورسعيد بعد أيام فرقص قلبها الهش وبقيت تحسب الساعات والدقائق.
كان في غرفته بعد انتهاء مكالمة ساخنة جمعتهما. دار حول نفسه وأطبق براحتيه على رأسه كالمتألم وألقى بجسده النحيل على فراشه الغير مهندم. ودار الحوار الآتي بينه .. وبينه!!
نادر١:
– ما الذي تفعله؟ وما نهايته؟
نادر٢:
– وما الذي أفعله بسلامتك؟ أنا أحيا كباقي البشر وأدور في الفلك كما يدورون. أم أن صيرورة الحياة ودوام حالها حرام على من هم مثلي؟
نادر١:
– عش كما شئت ولكن ما ذنب المسكينة؟
نادر٢:
– لا لوم ولا اتهامات! أنا لا أخدعها فأنا أحبها بصدق.
نادر١:
– ما دليلك؟
نادر٢:
– الواقع الذي أعيشه.
نادر ١:
– كذب وافتراء.. في لحظة الحب يتجلى الواقع بكل تفاصيله وحقائقه، فهل عثرت على تلك اللحظة؟
نادر ٢:
– كل لحظة معها جنون ، والواقع مجنون، إذاً الإجابة نعم. عثرت عليها ولن أفرط فيها.
نادر ١:
– أهو الحب أم الشهوة؟ وأنت تعلم الفرق جيداً كما قرأته من قبل في كتب د. مصطفى محمود “الشهوة أقل من الحب بكثير .. فهي رغبة النوع وليست رغبة الفرد.” فأي الرغبتين تسيرك؟!
نادر ٢:
– لا هذه ولا تلك .. فقط رغبة الحب.
نادر ١:
– لا تخدع نفسك.. أنت تعيش في الخيال.
نادر ٢:
– وأنا راضٍ بهذا الخيال.
نادر١:
– كل إنسان يمكنه أن يعيش في الخيال ولكن عند نقطة معينة عليه أن يختار إما الحياة وإما الخيال، وهما متشابهان جداً ولكن يصعب التفريق بينهما. فتذكر ذلك!
نادر ٢:
– لا أريد نصائح أو توجيهات. هي مقتنعة بي وأنا كذلك، ولا شيء يمكنه أن يحررنا من جنوننا حتى واقعك المزعوم. أغرب عن وجهي.
ورمى نادر طفاية السجائر في الهواء كأنه يضرب ذاته لكنه تلاشى قبل أن تصيبه، وتناثرت بقايا التبغ المحترق في سماء الغرفة. وضربه نعاسٌ لذيذ فاسترخى جسده تلقائياً واختطفه الموت الأصغر.
……………….
* يتبع في حلقة أخري.














