أن تكتب عن شخصية لم يسبق أن ترجمت لها الأقلام، فإن ذلك أشبه بارتياد جزر مجهولة، وتوقع القارئ ما لم يكن يعرفه من حياة الشخصية، ولا البيئة التي نشأ فيها، أو الظروف التي أثمرت تميزه، ربما أملى عليك تقليب المصادر والمراجع، وزيارة الأمكنة، قبل أن تخلو إلى أوراقك، تسجل فيها اجتهادك، سواء في المعلومة، أو في الرأي.
أما أن تكتب عن شخصية ترجمت لها الأقلام من قبل، فتلك مهمة أصعب. تثور – عقب القراءة – مناقشات، وموازنات، ومقارنات، بين المادة التي قدمتها، وجوانب الإيجاب والسلب، قياسًا إلى كتابات الآخرين.
كما تعلم، فقد صدر الكثير من المؤلفات عن حياة مي زيادة، أو الآنسة مي، الأديبة اللبنانية موطنًا، المصرية إقامة ووجودًا أدبيًا سنوات طويلة، والعربية انتماءً. بالإضافة إلى العربية، أتقنت ماري (مي ) الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية. كما استطاعت فهم اللاتينية والسوريانية. أرجعت حبها لكتابة الرسائل إلى صديق صباها وشبابها الباكر نعوم ” برع في كتابة الرسائل وأجادها. صار له أسلوب أديب مرهف الحس، فكان لذلك الأثر العظيم في نفسي، فأنا أولي الرسائل اهتمامًا خاصًا، لأنها في صدقها وبراءتها وإخلاصها تصبح أدبًا رائعًا، وفنًا عظيمًا، وتكشف مكنون القلب ومشاعره النبيلة”.
أقبلت على قراءة رواية على حسن” أنا مي زيادة” وفي الذاكرة ما قرأته لسلامة موسى وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي والعقاد ولطفي السيد وأمين الريحاني وسعيد العريان وفاطمة اليوسف وطاهر الطناحي ووداد السكاكيني وكامل الشناوي وغيرهم، وإن افتقدت – في القراءة – اجتهادات مهمة لأحمد حسين الطماوي في كتابه ” الليلة الأخيرة في حياة مي”.
إهداء الرواية يعني بإنصاف مي، فهي إذن واجهت مؤاخذات أو ظلمًا في الأقلام التي عرضت لسيرة حياتها، وتمثل كلمات مي التي مهد بها الكاتب روايته ما يشبه التوقع لما قد يثار من ملاحظات ووجهات نظر مغايرة ” أنا امرأة من حيرة، وانتظار لا أعرف مؤداه، وخوف من مبهم يسطره الآخرون لي”.
تخلو مي لكتابة ذكرياتها في مستشفى المعادي – كما أملت مخيلة الكاتب – في سنة 2011. وكانت تلك هي المرة الثانية التي دخلت فيها المستشفى ( المرة الأولى في 1941) عانت تجربة المرض حتى رحلت عن الدنيا.
تغيب التطورات السياسية عن الذكريات التي نسبها الكاتب إلى مي. اقتصر انشغالها على القراءة والكتابة وإثارة المناقشات الثقافية. لكنها أزمعت – على حد قولها، أو قول الكاتب – أن تكشف اللثام عن الذين تنكروا لها في محنتها، ولم يعبؤوا بمأساتها.
مع ذلك، فإن البعد الاجتماعي يبين في رفض مي لأحوال المرأة في الوطن العربي، بداية من ملاحظتها على اختصار أمها رحلة التعليم لتتزوج، وتنجب، وهو ما كانت تفرضه البيئة من خروج المرأة من البيت إلى القبر. ونتذكر أمينة بيت ثلاثية ” بين القصرين” لنجيب محفوظ، أمضت معظم حياتها في ظل الرجل، قبل أن يخلي لها تقدم العمر مساحة للخروج من البيت، ليس إلى القبر – كما كانت العادة – وإنما إلى مقام الحسين الذي كادت تخسر بيتها لما زارته في غيبة من أوامر الزوج ونواهيه.
ذكرتني كلمات مي عن الخيانة، وأنها قد تكون الشعور بالتفكير في شخص بما يذوي شعورها نحو الزوج.. ذكرتني بما رواه لي يحيى حقي عن زوجة البواب التي صارحت زوجها بأنها كانت على علاقة عاطفية بمكوجي عاد إلى حياتها بعد غيبة، فهي تخشى أن يستعيد مكانته في قلبها. ووافق الزوج على تطليقها!
صدر العدد الأول من مجلة” المحروسة” لصاحبها إلياس أفندي زيادة في 11 يناير 1909. وبدأت ماري ( مي ) في كتابة مقالة يومية بعنوان” يوميات فتاة”، ووقعت باسم مستعار هو” خالد رأفت” (تبدّل الحال بعد عقود، فكتب مفيد فوزي بتوقيع فتاة هي” نادية عابد”). ونظم صالون الآنسة مي زيادة أولى جلساته يوم الثلاثاء 22 إبريل 1913. حلمها – حسب ما جاء في الرواية – أن تصبح “أديبة الشرق، وصاحبة مجلة نسائية ترفع الظلم عن نفسها، وعن المرأة في الشرق، بل في كل دول العالم”.. فالمرأة يجب أن تكون كالرجل مطلقة الحرية”.
التباين في المواقف التي عانتها مي بلغ حد التضاد من خلال مشاعر الحب والإعجاب التي أحاطت بصالون مي، وما تحقق له من مكانة بين صالونات القاهرة (الصالونات تقليد فرضته أحوال المجتمع المصري في مطالع القرن الماضي ) حتى أن صوت الكاتب يتحدث عن تزاحم الجميع على صالون مي، رغبة في اختلاس نظرات من الزمان لن يروا مثلها خارج الصالون. سماها فارس خوري ” أميرة البيان”، وسماها ولي الدين يكن” ملكة دولة الإلهام”، ووصفها ابن عمها الطبيب جوزيف زيادة – ذلك الذي قاد التآمر عليها! – بأنها” ذات الوجه الصبوح، والقوام الممشوق، التي تتمتع بسحر آخر، وفتنة ليست كالتي نبحث عنها في أجساد الناس، ملكوت ماري وصولجانها في عقلها ولسانها، في سحر بيانها”، وتسميات وصفات أخرى، صادرتها القسوة التي واجهتها مي من أبناء عمومتها في تآمرهم
للاستيلاء على ميراثها، مدخلًا لما عاشته من ظروف أشد قسوة، انتهت بها إلى مستشفى العصفورية للأمراض النفسية والعصبية. أخفقت الأسلحة التي حاول بها أبناء عمومتها إخضاعها لإرادتهم، والاستيلاء بالتالي على ثروتها، فلجأوا إلى سلاح أشد خطورة، هو دفعها إلى الجنون، أو ادعائه، بما يسهل الحصول على ما يريدون.
لم يكن التآمر على مي لأنها – على حد قول مارون غانم – امرأة شرقية، غادرت شرنقة اليقين والاستسلام، وإنما لأن أبناء عمها عنوا بالاستيلاء على أموالها, شغلهم زواجها المرتقب من شخص غريب – معاناة المرأة العربية! – يرث أرضها، ويشاركهم فيما يملكون. جوزيف ابن عمها، هو أول من أحبت، والوحيد الذي تمنته زوجًا لها منذ طفولتها. ما أبداه من تعاطف – الرواية لمي – دفعها إلى البوح له بكل ما كانت تعانيه من ألم وتعاسة. واستغل جوزيف شعورها بالوحدة والضعف واليأس، فحصل على توقيعها. ثم صحبها إلى لبنان، لتغيير الهواء، ولتستجم قليلًا. وكان الحصول على توكيل عام بإدارة أملاك مي مدخلًا لتحقيق التدبيرات التي شارك أبناء عمومتها في إعدادها. وكان ترحيلها إلى لبنان خطوة تالية، صحبها جوزيف من مطار بيروت إلى بيت تحددت فيه إقامتها، قبل أن تنقل إلى مستشفى العصفورية، لتحيا فيه أقسى فصول مأساتها ( أشار الكاتب – في رواية مي – إلى مأساة باحثة البادية، لكنها أغفلت الحديث عن تلك المأساة! ).
لم يعد جوزيف ذلك الإنسان الطيب ذي القلب العامر بحب البشر. أمر سائق السيارة التي أقلتهما من مطار بيروت – كما قال – أن يتحرك ببطء، بينما ركز هو نظراته على مي، ليس حرصًا عليها – القول له – وإنما خوفًا أن تفلت من بين يديه، وتهرب. وفطنت مي إلى بدايات الخديعة حين اكتشفت سرقة الحلي والمصوغات التي قدمت بها من القاهرة. ثم توالت فصول المأساة في حبسها بالعصفورية ما يقرب من عشرة أشهر.
تسأل: هل أنا مجنونة؟. تجيب: إن كان الدكتور زيادة قد أصاب في تشخيص حالتي، صدق في وصمى بالجنون. فإن هذا الجنون لم يراودني إلّا مرة واحدة في حياتي، وفي ساعة واحدة فقط. لا أدري أي جنون مسّني وأي حماقة سيطرت عليّ في هذه الساعة، ساعة وقعت على دفتر التوكيلات، ومنحته توكيلًا عامًا جلب عليّ مصائب الدنيا والآخرة؟. وعلى حد تعبيرها، فقد كانت لحظة انكسار وفقدان أمل.
يحاصرها التآمر، فيغيب الخلاص. تتلفت حولها متسائلة: أين طه حسين وقد وقفت خلفه يوم أن تخلى الجميع عنه؟ أين العقاد مما أنا يه وقد شاركته حزنه على موت أخيه مصطفى؟.. أين أنت يا أستاذي ومعلمي؟. أترى أنك أصبت حين تخليت عن تلميذتك في هذا الموضع؟ غفر الله لك يا لطفي باشا السيد، يا أستاذ الجيل!. أين أنت يا مولانا الشيخ مصطفى عبد الرازق؟ أين سلامة موسى؟ ( أذكر أني قرأت مقالة لسلامة موسى يتحدث فيها عن لقائه مي في العصفورية، وتأكيده على وعيها وذكائها ). وتصف القنصل المصري في لبنان صبري منصور بأنه العقبة الرئيسة في محاولات إخراجها من سجن العصفورية. تحول المستشفى إلى سجن. ومع أنها وصفت جبران بأنه الرجل الوحيد على هذا الكوكب، الحبيب القريب، والملك المتوج على عرش بحجم المياه التي تفصل بينها وبينه ( نفت وجود علاقة – عدا تبادل الرسائل – بينها وبين جبران، وأنه الرجل الذي أحبته دون أن تراه )، فإنها عبرت – في أيام إقامتها بالعصفورية – عن تألمها من موقف اللامبالاة الذي صدر من جبران. لم يعد – كما وصفته من قبل – قادرًا على إحياء الموتى، إله الأرض القادر بهمساته ولمساته. وزادت، فأبدت تحمسها لكتابة قصة حبها له في رسالة سيخلدها التاريخ.
عبرت مي – في المقابل – عن امتنانها لمواقف آخرين، بذلوا كل ما استطاعوا لرفع الحجر السيزيفي عن صدرها. مارون غانم هو البطل المنقذ في مأساة مي زيادة. ربما لو أنه لم يظهر في الوقت الأنسب لأمضت مي بقية عمرها في العصفورية، أو مضت إلى مصير مؤلم صنعه لها أبناء العمومة. وثمة العشرات ممن أبدوا تعاطفهم مع مي، وسعوا إلى إنقاذها: الإمام مصطفى المراغي ومنصور فهمي والمحامي والسياسي الكبير مصطفى مرعي والمحاميين اللبنانيين أبو شهلا وتقي الدين، والممرضات اللائي تصرفن بدوافع إنسانية. وشخصيات أخرى كثيرة.
نقل أمين الريحاني عن بشر فارس – صاحب المسرحية التجريبية الباكرة” مفترق طرق” – قوله: إن قضية مي ليست قضية عادية، ومن الضروري أن تهتم بها السلطات القضائية، لأنه لا يجوز أن تحجز حرية كاتبة نابغة مثلها بهذه السهولة.. أليس من واجب النيابة العامة في بيروت أن تلاحق قضية” مي” بمادة الحجر على الحرية؟ أليس من واجب القنصلية المصرية، ومي من رعايا الملك فاروق، أن تسأل عن صحة جنونها. فإذا ثبت هذا الجنون كان لأقاربها أن يتصرفوا بها، وإلّا أعادوها إلى ميدان عمها في حقل الفكر.
أعدت قراءة الفترة ما بين إعداد الشباك، وحصارها لمي في العصفورية، وتعدد محاولات تخليصها من الأسر، حتى أتيح لها الخروج إلى الحرية. اللغة موحية، تجتذب وجدانك. تحيا توالي لحظات التآمر والخديعة والبراءة والقلق والخوف والانقضاض، صدقها الفني يجاوز الجهارة والافتعال، فأنت تتابع المواقف كأنك تعيشها، كأنك الشخصية التي تعاني ما يصعب مواجهته من التدبيرات والحيل والمكائد.
هل أنصفتك؟
هذا هو السؤال الذي خاطب به الكاتب مي زيادة في ختام الرواية. والحق أن الإنصاف لم يكن المعنى الوحيد الذي خرجت به من رواية على حسن. ثمة مشهد بانورامي للوطن العربي، مجتمع المثقفين بخاصة، في الفترة ما بين العقد الأول إلى أواخر الأربعينيات من القرن الفائت.
الأصوات متعددة: مي ومارون غانم وجبران وماجدة شيخون ولطفي السيد وطه حسين وأمين الريحاني ومنصور فهمي وجوزبف زيادة وكنعان الخطيب وبولص معمر ونور المرسي ومصطفى مرعي وأليس سلامة واستر واكيم. أما الأمكنة فتشمل القاهرة وبيروت وأسيوط والناصرة والإسكندرية والشوير ونيويورك وشحتول والقدس والعصفورية وغيرها. ومع تعدد الأصوات، فلعلنا نسأل: ما الكلمات التي صدرت عن أصحابها، وما الكلمات التي اخترعتها مخيلة الكاتب؟
وحتى يضعنا على حسن في الزمكانية التي تهبنا الإيهام بالواقع، فقد أفاد من مفردات البيئة اللبنانية: الزلمة ( الرجل )، المكتوب ( الرسالة )، السنديانة، شجرة الأرز، شجرة الصنوبر، السيكارة (السيجارة) وكانت الساعة الشخصية هي الساعة بكاتينة، والأشهر الميلادية تبدأ بكانون الثاني، وتنتهي بكانون الأول. إلخ.
بالإضافة إلى زمكانية السرد الروائي، فثمة التبقيع كما في اللوحة التشكيلية، والهارموني الموسيقي، والتقطيع والفلاش باك السينمائي، والحوار المسرحي، الدرامي، كما جرى بين جوزيف وسلطانة ونعوم وطنوس، عند تدبيرهم لخطوات الاستيلاء على ما كانت تملكه.
إذا كان على حسن قد تأخر في أولى كتاباته الروائية، فإن هذه الرواية تنسبه – باقتدار – إلى بناة الرواية العربية الحديثة.












