»»
من مسلمات الحصافة في هذه الآونة إدراك الأسباب الحقيقية للمشكلات والأزمات ، والتعاطي معها بصلابة الإرادة وحكمة الرؤي والتدابير ، وإيجابية التصرفات والممارسات للخروج بحلول مبدعة عبر إجراءات وإضاءات عملية وفاعلة.
اتصور أن السبيل الأنجع ربما الأوحد لتصحيح المسار وامتصاص تأثيرات الصدمات العالمية ، وفرملة “التضخم ” المحلي والمستورد، هو البحث عن البديل المحلي بشقيه المعنوي والمادي، بعيدا عما يبثه بعض المرجفين من رسائل مغرضة وسلبية عن مستقبل الاقتصاد المصري في محاولات يائسة لتعزيز روح القنوط وكثرة النواح، والتباكي علي ما مضي وضياع اللبن المسكوب، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان!.
في تقديري أن البديل المعنوي هو القناعة التامة بالقدرة علي مواجهة كافة التحديات وتجاوز كل العثرات، والبحث طوال الوقت عن حلول أصيلة ، وأفكار أصيلة وغير مستورده مستقاه من عقول وإبداعات أهل الكنانة، وتتواءم مع كافة الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة بيئتنا المصرية.
كما يتحتم أن تترجم مع مرور الوقت ولو جزئيا لبدائل مادية وعملية لكل السلع
الأساسية والاستراتيجية، والتي شهدت زيادات مطردة ومتضاعفة وغير مسبوقة دون مبرر فعلي ، تحصنا من التداعيات السلبية لكافة المتغيرات والاستغناء التدريجي عن العملة الصعبة المكبلة!.
ولاريب أن استراتيجية البدائل تتضمن العديد من الإجراءات والأليات، ومن قبل تدشين ملامح لمسارات عامة وخطوط عريضة تحول الأفكار والمقترحات لمشروعات فعلية تسهم في إحداث التغيير، وتحقيق المستهدف.
وعلي قمة التحديات ، وأولويات البحث عن بدائل تأتي قضية الأمن الغذائى المصرى باعتباره هدف استراتيجي قومي ، فلا صوت يعلو فوق تحقيق أعلى إنتاجية فى وحدة ومحدودية المساحة، وهذا ما تسعي إلي إنجازه الاستراتيجية الوطنية الشاملة ، والتي تتضمن تحديد أنسب المساحات والخطط والبرامج فى المحاصيل الإستراتيجية من أجل تحقيق نسبة عالية من الإعتماد على الذات ، وتقليل حجم الإستيراد.
كما تتضمن تعظيم أدوار المراكز البحثية والعلمية لاستنباط سلالات وأصناف وهجن عالية الإنتاجية تتحمل ندرة المياه والتغيرات المناخية ومقاومة الأمراض والآفات الحشرية وتحمل الملوحة مع الالتزام بمعايير الجودة العالية التى تفى بمتطلبات المستهلك.
وقد عكفت العديد من العقول المصرية المبدعة على إيجاد حلول غير تقليدية من خلال ابتكارات وبرامج ومشروعات، تسهم في زيادة الإنتاجية من المحاصيل وتحسين الممارسات الزراعية واستنباط أصناف مختلفة تتكيف مع التغيرات المناخية، فضلاً عن توفير بيئة نموذجية ومبتكرة لتحسين الإنتاج الحيواني، وذلك في محاولة لتقليل فاتورة استيراد الغذاء، وزيادة تنافسية الصادرات الزراعية المصرية، وتعزيز مناخ الاستثمار في مجال الزراعة، وهو الأمر الذي جعل هذه الابتكارات تحصد الجوائز في المسابقات العالمية.
وفي هذا الإطار، نشر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء مؤخرا “ڤيديو” تناول بعض قصص نجاح العقول المبدعة التي تستهدف دعم جهود تحقيق الأمن الغذائي، ضمن سلسلة ” قصص نجاح.. من أصعب بداية لأنجح نهاية”.
ومن أهم قصص النجاحات مشروع استنباط صنف أرز سخا سوبر 300، والذي حصد الميدالية الذهبية كأفضل اختراع في عام 2022 في معرض جنيف، حيث أوضح د.حمدي موافي رئيس المشروع القومي لتطوير إنتاجية الأرز الهجين والسوبر ومبتكر صنف أرز سخا سوبر 300، أنه تم نقل جين الأرز السوبر إلى الأصناف المصرية بغرض تعظيم الإنتاجية والخروج من حاجز الـ 4 طن إلى حاجز الـ 5 طن للفدان.
كما لفت إلى أن مشروع استنباط صنف أرز سخا سوبر 300 تصل إنتاجيته لـ 6 طن للفدان، كما يسهم في توفير كمية المياه المستخدمة للري، مشيراً إلى أن تلك الجهود تسعى لتحقيق طفرة محصولية غير مسبوقة عالمياً.
وعلى صعيد متصل، عرض “الڤيديو” إلى مشروع إنتاج الأعلاف الحيوانية من ألواح التين الشوكي، حيث أوضح د. محمود جلال مبتكر فكرة المشروع أنه يقوم على عمل خلطات من الأعلاف تحوي ألواح من نبات التين الشوكي، مع عناصر أخرى مكملة للتركيبة الغذائية الكاملة للحيوان، مضيفاً أن هذه التركيبة حققت إنتاجية من اللحوم تعادل نفس إنتاجية الأعلاف التقليدية، ما يسهم في تقليل فاتورة استيراد الأعلاف.
وعرضت الفكرة بمعرض جنيف الدولي ، وحصد المشروع الميدالية الفضية، كما حصل على الميدالية الفضية في معرض ابتكارات الشرق الأوسط بالكويت.
هذا وقد استعرض ” الڤيديو” أيضاَ، فكرة البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضر، حيث أوضح د. وهبة الجزار رئيس البرنامج، أنه تم تدشين هذا البرنامج في 2019، حيث تم إنتاج ما يقرب من 26 صنفاً وهجيناً وتسجيلهم وتداولهم في السوق، وتم تنفيذ المشروع في العديد من المحافظات.
وتسهم عوائد هذا البرنامج في تحقيق الاكتفاء الذاتي من التقاوي عالية الإنتاجية والجودة، فضلاً عن تقليل فاتورة الاستيراد، وتحسين وتنمية الموارد الاقتصادية الزراعية المتاحة، علاوة على دعم القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية داخلياً وخارجياً.
وفي نفس السياق أعلن د.سعيد سليمان الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الزقازيق نجاح تجارب زراعة قمح الجفاف في سيناء وبعض المناطق الصحراوية بمختلف أرجاء المحروسة.
كما طالب د. محمد يوسف أستاذ الزراعة الحيوية بجامعة الزقازيق بضرورة التوسع في زراعة نبات “البونيكام” ، باعتباره من افضل الأعلاف الخضراء للماعز والأغنام والأبقار وغيرها من حيوانات المزرعة ، وهو نبات معمر يستمر في الأرض حتى 10 سنوات ويتحمل ملوحة حتى 12 ألف جزء في المليون وتجود زراعته في كافة أنواع الأراضي ويعتمد علي نظام الري بالرش والتنقيط كما يمكن زراعته بنظام الرى بالغمر.
وهناك مقترحات لزراعة انواع من الشاي ، والتوسع في زراعة الزيتون والتمور بمختلف أنواعها، بعد أن حقق الإنتاج المركز الأول عربيا وعالميا، وإنتاج الأعشاب العطرية ، وغيرها.
وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والتي تستهدف تحقيق الأمن الغذائي، أتصور ضرورة المشاركة الفعالة للقطاع الخاص، ومساندة جهود الدولة ومؤسساتها وجامعاتها ومراكزها البحثية المختلفة من منطلق المسؤولية الاجتماعية والوطنية.
كما يتحتم على الأسواق تطوير أنماط الشراكة مع القطاع الخاص، وتزويد مناخ الإستثمار بأدوات جاذبة، ودعم المبدعين والباحثين وحث المستثمرين الرياديين القادرين على تقديم حلول بديلة ومبدعة، ونماذج عمل مبتكرة تتسم بانخفاض مستوى المخاطر، ومنطقية المكاسب مع النظر للمستقبل والصالح العام بعيون حيادية ومتجردة فالجميع في قارب واحد وأرض الكنانة تستحق كل تضحية.
مؤشرات وبشارات الخير والأمل _ لمن أراد أن يبصر_ لا حصر لها ، تجسدت في مشروعات عملاقة وإنجازات غير مسبوقة، ستأتي ثمارها لا محالة، كما أثلج الصدور مؤخرا ما أعلنته بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية بأن مصر دخلت نادي الدول الغنية، وفقا لتقرير نشرته “كريدي سويس”، والذي يعتمد في تقييمه علي إجمالي الناتج المحلي وصافي قيمة الأصول والثروات القومية.. والقادم أفضل بإذن الله.














