تقول الأمريكيّة أناييس نن: نكتب لتذوق الحياة مرتين، في لحظة أخرى وفي وقت لاحق.، ويقول الروائي الأمريكي التاريخي ادغار لورانس: الكتابة هي الشّكل المقبول اجتماعيًّا من مرض انفصام الشّخصيّة
ويقول فرانز كافكا رائد الكتابة الكابوسيّة: لا تنحني، لا ترويها، لا تحاول أن تجعلها منطقيّة، لا تحرِّر روحك الخاصّة حسب ما هو شائع؛ بدلًا من ذلك، اتّبع الهواجس الأكثر كثافة بلا رحمة
أحاول أن أبدو مثقفة وأنا أسوق إليكم ما قاله الكِبار عن الكتابة كي ابتعد بكم عن حقيقة ما قاله الدكتور أحمد عكاشة: “أن أغلب المبدعين مرضى نفسيون”!
“الكتابة بتحوش بلاوي”..تخيل لو لم يكتب أرنست همنغواي رواية الشيخ والبحر؛ مجسدًا الصراع بين قوى الطبيعة والقوى البشرية من خلال الصياد الذي استمر في الصيد لمدة 80 يوما دون أن يحصل على أي شيء؟! أو لو لم يكتب فيكتور هوجوالبؤساء معبرًا عن الواقع البائس حينها في المجتمع الفرنسي؟ أو لم يكتب دستويفسكي الجريمة والعقاب، محاولًا خلق مبررات أخلاقية لجريمة قتل قام بها الشاب الفقير الجامعي وقتل المرابية العجوز إيفانوفنا لسرقة أموالها. ولو لم يكتب كافكا رسائل عشقه الكئيبة لحبيبته- الغلبانة-ميلينا؟
تخيل لو لم يكتب كل هؤلاء ومن جاء بعدهم عن ما يعتمل بداخلهم، عن هذا الجن الذي يتلبس خيالهم بفكرة لا تكف عن الصراخ والنط والقفز والدحرجة؟ ما الذي كان يمكن أن يحدث في واقعهم؟، مالذي يمنح طوق نجاة لفكرة يمكن أن تُغرق صاحبها في الجريمة أو الجنون أو الاكتئاب إن لم تخرج على الورق؛ يُخضع شيطانها سجينًا على بياض السطور، شريطة انتقاله لقارىء آخر ظنًا أنه سيتحرر، بينما هو في الأصل يتحول وتتغير هيئته من عين قارىء لعقل قارىء آخر، لخيال كاتب جديد لا يحرره إنما يجدد سجنه ويعيد محاكمته من جديد.
الكاتبة التي طعنت زوج البطلة مرتين في الفصل الثاني من الرواية؛ بعد أن وضعت له زوجته الثانية السُم في المحشي..ماذا كانت ستفعل في الواقع لو لم تكتفِ بكتابة المشهد؟
والشاعر الذي يغازلهن ويختلي بهن بدواوينه، يعتصر النهود، ويحاور مجازات الأرداف، ويكور استعارات القبلات الساخنة بحرية إبداع، تضمن زوجته حبس الإعلان عنها داخل كتاب، مجرد كتاب، والكاتب الذي راح على مدار خمسة عشر قصة في مجموعته، يغرر بالفتيات ويغتصب النساء ويحملن منه سفاحًا، ويلدن أطفالًا مجهولي النسب!. ماذا يمكن أن يكون مصير أفكاره لو لم ترقد بسلام على الورق، سوى الأشغال الشاقة المؤبدة؟
إنها الكتابة، تعويذة نجاة نصف المجتمع من تحقيق وتنفيذ جنون أفكارهم وتمردها أو كآبتها وانحرافها، بينما يبقى النصف الآخر ما بين ضحية أدب كمتلقي، ولا مبالي و”منفض” للمجتمع بأثره
لا يهم إن كان ما ستكتبه جميلًا جدًا أو نصف جميل، أو جميلًا إلا ربع، لا يهم إن كان أدبًا إسلاميًا أو عبثيًا، جادًا أو هزليًا، حاف أو بغموس.. الضرورات هنا تبيح المحظورات هناك، طالما تطبق شروط الخيال والحرية، تحت مظلة اختلاف الذائقة الأدبية العريضة.
أنا أيضًا أكتب كمفتاح يمر بثقب الباب ذاته، لا يهمني إن فتح الباب أم كان مغلقًا من الداخل، الأهم ألا ينفجر رأسي على طراطيف لسان الواقع فتقع الفأس في الرأس والحيص مع البيص ولا عزاء حينها للسطور
نعم..”تحوش الكتابة بلاوي وتفك العقد وتبين زين وتوشوش ودع مرارة الحياة”، فتقف الحكايات على أعتاب السطور بعد أن تحسم الخيار بين محدودية ضغط الواقع وبراح انتقام الخيال.
المبدعون، قد يكونوا مرضى نفسيين، لكنهم على الأقل لا يرتكبون الجرائم يا دكتور أحمد.













