“هل صحيح أن كل بلد فيه شفيقة ولكن كل بلد ليس فيه متولي؟”
هذا جمال حقيقي هذا إبداع أسرني منذ اللحظة الأولى لأستبين رؤية فلسفية وإنسانية ونفسية تقف شامخة أمام الرؤى التي اتسع لها الموال الشعبي لحفني أحمد حسن المليء بالأبعاد السياسية والعسكرية إبان الثورة – يوليو 1952 – والأبعاد النفسية والقيمية في الفيلم – “شفيقة ومتولي “- الذي مثله أحمد زكي وسعاد حسني باقتدار طبعا النص هنا لصلاح جاهين ، ولما كتب شوقي عبدالحكيم مسرحية “شفيقة ومتولي” كان له إطاره الفلسفي المغاير لما جاء في الفيلم الذي كانت شفيقة ومتولى والوطن ضحايا للاستعمار وتجار الأوطان والموال الذي انتصر لشخصية الجندي العسكري الذي انتقم لشرفه فقتل أخته وتعاطفت معه السلطة واعتبرته بطلا وجاءت المسرحية على النمط الإغريقي مثلما هي “عطيل وأوديب ولير وانتيجونا” لتعلي من قيمة القدر ودوره في صناعة المصير المأساوي لأبطاله التراجيديين. وكل الأعمال التي سبقت الشاعر “حسنى الاتلاتي” جعلت من اسم شفيقة مقدما على متولي هكذا(شفيقة ومتولي) إلا هو فقد جعل متولي مقدما على شفيقة ليعيد الأمر إلى وجاهته ليكون هو البطل في الحدث فلم تكن للقصة أهمية كبيرة إلا حين قام متولي بالقتل فاتجاه المرأة للبغاء موجود طوال التاريخ ولكن الجرأة على فعل القتل والإعلان عنه جعل منه حدثا معروفا ومتداولا ” ومتفقا مع ما يردده أهلنا في الصعيد من أن كل بلد فيه شفيقة ولكن كل بلد ليس فيه متولي ” ومن هنا كان متولي الفاعل للقتل والشاعر بالندم في آن.
ونأتي لقصيدة حسني الاتلاتي هنا لنستبين روح أخرى نادمة بل وحائرة بين المرض النفسي وهو الاكتئاب وبين إمكانية التوبة وقبولها على سرعة الفعل – القتل – دون تروي استجابة لأفكار القبيلة وليس إيمانا بما بثته تلك القبيلة في روح متولي ، وفي الآن نفسه يظهر الأثر الديني الإسلامي الداعي إلى التوبة وقبول الرجوع لساحة الله خاضعين تائبين له جميعا ، وفيها معالم من المسيحية حيث الخطيئة الأولى وولادة الخطيئة مع ولادة الإنسان وخلقه منذ آدم لقيام الساعة، ألم أقل إنه نص إبداعي محمل برؤى مخالفة لما جاء في تراث القضية من حيث الموال السياسي بامتياز والفيلم القيمي بامتياز والمسرحية الاجتماعية ، لنكون في النهاية أمام النص الإنساني بامتياز .. وأتصور أن الشاعر الكبير حسني الاتلاتي شعر تجاه متولي وشفيقة بأبوة حانية أو على الأقل أنه تعاطف أبوي تجاه الخطأ والذنب الذي يمكن أن يغتفر بسهولة. ولعل تعاطفه وشفقته كانت على شفيقة أكثر ، ولكننا نلمس تناصا بين القصيدة وموال “ليه نظلم شفقية” لحفني أحمد حسن الذي يلقي فيه المسئولية على زوجة الأب في انحراف شفيقة بل إنه ينفي الانحراف عنها وينفي الهروب من بيتها .
إذا ما تتبعنا نشأة التناص وبداياته الأولى كمصطلح نقدي نجد أنه كان يرد في بداية الأمر ضمن الحديث عن الدراسات اللسانية ،وقد وضح مفهوم التناص العالم الروسي ميخائيل باختين من خلال كتابه (فلسفة اللغة) وعنى باختين بالتناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص – أو لأجزاء – من نصوص سابقة عليها والذي أفاد منه بعد ذلك العديد من الباحثين ، حتى استوي مفهوم التناص بشكل تام على يد “جوليا كرستيفا” وقد أجرت استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية) وعرفت فيها التناص بأنه ” التفاعل النصي في نص بعينه”.
كما ترى كريستيفا أيضا أن ” كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى”،ثم إلتقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حول التناصوتوسع الباحثون في تناول هذا المفهوم وكلها لا تخرج عن هذا الأصل.
وبعد ذلك اتسع مفهوم التناص وأصبح بمثابة ظاهرة نقدية جديدة وجديرة بالدراسة والاهتمام وشاعت في الأدب الغربي ، ولاحقاً انتقل هذا الاهتمام بتقنية التناص إلى الأدب العربي مع جملة ما انتقل إلينا من ظواهر أدبية ونقدية غربية ضمن التفاعل الثقافي.
أما مفهوم التناص ونشأته في الأدب العربي فنجد أن مفهوم التناص هو مصطلح جديد لظاهرة أدبية ونقدية قديمة فـ “ظاهرة تداخل النصوص هي سمة جوهرية في الثقافة العربية حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل”، فالتأمل في طبيعة المؤلفات النقدية العربية القديمة يعطينا صورة واضحة جداً لوجود أصول لقضية التناص فيه ، واقتفى كثير من الباحثين المعاصرين العرب أثر التناص في الأدب القديم وأظهروا وجوده فيها تحت مسميات أخرى وبأشكال تقترب بمسافة كبيرة من المصطلح الحديث، وقد أوضح محمد بنيس ذلك وبين أنالشعرية العربية القديمة قد فطنت لعلاقة النص بغيره من النصوص منذ الجاهلية وضرب مثلاً للمقدمة الطللية، والتي تعكس شكلاً لسلطة النص وقراءة أولية لعلاقة النصوص ببعضها وللتداخل النصي بينها ” فكون المقدمة الطللية تقتضي ذات التقليد الشعري من الوقوف والبكاء وذكر الدمن فهذا إنما يفتح أفقاً واسعاً لدخول القصائد في فضاء نصي متشابك ووجود تربة خصبة للتفاعل النصي

والتناص في الأدب العربي مر ببدايات غنية تحت مسميات نقدية تناسب عصوره القديمة وعاد من جديد للظهور متأثراً بالدراسات اللسانية الغربية الحديثة كمصطلح مستقل له أصوله ونظرياته وتداعياته، ففي الأدب العربي المعاصر حظي مفهوم التناص باهتمام كبير لشيوعه في الدراسات النقدية الغربية نتيجة للتفاعل الثقافي وتأثير المدارس الغربية في الأدب العربي وكانت دراسة التناص في بداياتها قد اتخذت شكل الدراسة المقارنة وانصرفت عن الأشكال اللفظية والنحوية والدلالية ،وتعريفات التناص كما بينها النقاد الحداثيون كثيرة جدًا ومتشعبة وكلها تدور حول جوهر التناص الذي يصب في النهاية في كونه تأثر نص حديث بنص قديم سابق عليه.
وبحسب رولان بارت أن” كل نص إنما هو تناص، والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات متفاوتة، وبأشكال ليست عصية على الفهم بطريقة أو أخرى، إذ نتعرف نصوص الثقافة السالفة والحالية، فكل نص ليس إلا نسيجا جديدا من استشهادات سابقة ونسيج من “الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة” ويرى بارت أن “التناصّية هي قدر كل نصّ، مهما كان جنسه. ولا تقتصر على التأثر فحسب .” وقد عبر عن تناصية كل نص بقوله إن”النص هو جيولوجيا كتابات”، فهو إنتاج متراكم من النصوص يشارك فيه الكاتب والقارئ ويشكل شبكة متفرعة من التناصات.
وتناول امبرتو ايكو التناص من وجهة نظر تركز على القارئ ففي كتابه “دور القارئ” وضح أن “القارئ يتحمل العبء الأكبر في فك رموز النص، واستحضار تناصاته الغائبة، أو استنباط أكواد تناصاته الحاضرة، ليصبح النص خليطا من نصوص، وتناصات كثيرة. وهذا ما سماه إمبيرتو إيكو بالمشي الاستنباطي، أو المشي خارج النص. وفي نفس الاتجاه نجد مقاربة ريفاتير للتناص حيث جعله آلية خاصة للقراءة الأدبية، وعرفه بأنه “إدراك القارئ للعلاقة بين نص ونصوص أخرى قد تسبقه أو تعاصره.”
وانطلاقًا من هذا الفهم للتناص ولمحاولة سبر التماهي بين الشاعر والظلم والقهر الاجتماعي للمرأة طلبت من الشاعر التداعي حول معاني الأبوة والأمومة ومشاعره تجاه شفيقة ومتولي فقال : ولدت في أسرة شريفة يعمل الوالد فيها بمهنة فلاحة الأرض أسمر طويل القوام فارع مثل نخلة صامد كالجبل فقد ابنته الجميلة وهي عروس حامل في شهرها السادس أخذت حقنة في الوحدة الصحية ويبدو أنها كان عندها حساسية ماتت بعد مائة متر من الوحدة كانت شقيقتي التي لم أرها يقول أبي كانت مستديرة الوجه بيضاء كالقمر ليلة أربعة عشر وكان أبي أسمر و كانت أمي يرحمها قطعة القمر كان أبي يقول عنها كنت أدخل غرفتها قبل دخول الكهرباء الغرفة مظلمة يقول كنت تلضم الإبرة على نور وجهها كانت من الأشراف أبوها من آل البيت يسمى الشيخ جنيدي الشريف وكان يسكن بني مزار المدينة يأتي لزيارة أمي كان الناس يتسابقون على تقبيل يده أتذكر أمي كانت تضعني في حجرها وتهدهدني وتدللني بأغنيات قصيرة تقوم بترديدها عادت أمي من فرح ابن أخيها في بني مزار لم تكمل عامها الأربعين أو الخامس والثلاثين أبي قال انه تزوجها وهي بنت 13سنة أو أقل . عادت من الفرح ثم جلست بجوار الكانون الطيني تشكو ألما في قلبها أخرجوني أنا وأخي وأختي نحن الثلاثة صغار السن رقدت أمي على الدكة الخشبية وطلبوا الطبيب من الوحدة الصحية تأخر كثيرا كانت النساء ملأن البيت قالت لها امرأة خدي حسني أهو شوفيه يريدون أن يخففوا عنها الناس حبسونا أنا وأختي وأخي في بيت عمي حتى لا نصاب بالفزع من خبر الوفاة أخذت أختي بنت العشر سنوات دور الأم أبي لم يتزوج بعد أمي نهائيا أختي كانت مكان الأم لم تكمل خمس عشرة سنة وجاء أخوالي ليخطبوها تزوجت ابن خالها وأخذوها إلى بني مزار طفلة لم تكن معالم أنوثتها قد ظهرت بعد ربما شعرت باليتم مرة ثانية . أختي الوحيدة هذه كانت من أولياء الله ماتت حماتها أم زوجها وهي تلد ابنتها قامت أختي بدورين أمومتها لمولودها وأمومتها لبنت خالها الرضيعة التي ماتت أمها تزوج خالي وأنجب ولدا وبنتا وماتت زوجته الثانية فعادت أختي لدورها كأم هنا وهناك. مات الولد الذي أنجبته وهو دون الثانية ثم أنجبت ثلاث بنات فعانت أشد المعاناة من خالي لأنها لم تنجب الولد وكانت صابرة لا تشكو. كنت صغيرا في أولى إعدادي وزرناها أنا وأخي وكانت عروسا في شهر العسل المفروض يكون شهر العسل رأيت زوجها وكان عمرة ثمانية عشر عاما وهو ابن خالي يرحمه الله يمسك خرطوما أو كرباجا يضربها وأمه تمنعه وتقول له يتيمة وطفلة لسة ما تعرفش حاجة عاملها بالرحمة لكن كان من عادات الزواج أن العريس يثبت رجولته في البيت بضرب الزوجة حتى يكسرها وتصبح الكلمة كلمته. في القرية سمعت قصة امرأة طيبة وجميلة عاد زوجها من العراق فقالوا له إن فلان كان يزورها فوضع لها السم في الطعام وقتلها ولم يكن هناك طب شرعي وانتهى الأمر كأنه قدر تألمت كثيرا كان بإمكانه أن يطلقها وتذهب لحالها القتل كارثة. فكرة القتل فكرة بشعة تعرض رجل فقير في خناقة بين عائلتين إلى الموت بضربة عصا والعائلتان أعرفهما، ظللت حزينا على رجل فقد حياته لمشاجرة ، أبي يرحمه الله هو نموذج البطل الأسطوري هو الأب المثالي الذي لا يمد يده لصدقة أو هدية كان يرعى زراعات عمي الشقيق أثناء سفره إلى ليبيا وعندما يعود من ليبيا ينهانا أن نذهب لنسلم عليه مخافة أن يظنوا أن أبي أرسلنا لنأخذ هدايا منه. كنت من شدة حنانه أنام على ذراعه حتى سن السادس والعشرين عندما سافرت إلى أسوان.
وهكذا كما تصورت منذ القراءة الأولى للقصيدة منذ سنوات قد تكونت في ماضيه السحيق جذور ملامح التعاطف مع شفيقة ومتولي وهكذا كان الإبداع العميق الأصيل قادم من أعماق الشخصية وقوته الإلهامية من اللاشعور أكثر وضوحا .
ولنقرأ النص التالي:
موال ل: ((متولي )) على قبر (( شفيقة)) ……شعر حسني الأتلاتي
وقتلت كافور الطريق كسرت عود السيسبان….!!
وقتلتُها كي أستريح من العذاب دخلت في باب العذابْ
وقتلتها وحملت ذنبك يا شفيقة في المساء فلا مساء وفي الصباح فلا صباحْ
الصبا المغدور والجسد الحرام المستباحْ
وقتلت صوتك كان يندهني حبيبي
قتلت فيك العمر كان بقية في العمر تسمح بالمراحْ
قتلت فيك البيت كان البيت يجمعنا حنانا هدّ فيك البيت وانتحر الحنانْ
وقتلت كافور الطريق كسرت عود السيسبانْ
وقتلت فيك النهر لم يشبع من القدمين شهد الحب لم يملأ جِرارَه
وقتلت فيك الام كنت احن من ام اذا رجفت من حمى فتطبع قبلة كمّادة فوق الجبين تنطفئ الحرارة
وقتلت فيك النخل موالي القديمْ
وقفلت باب الله شيطانا رجيما جاء بالفعل الرجيمْ
هي أخطأت لكنها إنسانْ
ونحن لسنا آلهة
كيْما نصب الموت موتا في كئوس الخاطئين
هي أخطأت من كان دون خطيئة فليصعد الجبل العلي لأستبين
كل ابن آدم خاطئ خلقت مع الناس الخطيئة
قبل بدء الناس
الناس فوق الأرض إنسان الخطيئة والذنوبْ
لو كان من رجل رشيد كان يسترها تتوب !
لو كان بي رفق وكان حنانْ!
لتركتها
وتركت داري والقبيلة والمكانْ
لأخذتها نحو البعيدْ
وقتلتها طبقا لعادت القبيلةْ
فلتعذرين
لأول مرة يستعطف الجاني قتيلهْ
فلتعذرين
طهّرت جسمك و الشرف
فلتعذرين
الناس في بلدي تخون الليل تلعن في النهار الخائنين
يتظاهرون بطهرهم يتظاهرون
داخلهم قرفْ
باسم الشرفْ
أزهقت روحا قد يكون لها مع الصبح المثوبةْ
إن كان لي حق اعتراف أعترفْ
أخطأت إذ نصبت من نفسي إله الكون أعجل بالعقوبةْ
السم في ريقي وفي جسدي الجحيمْ
أستغفر الله العظيمْ
أستغفر الله العظيمْ












