
بقلم : د. ناهد الطحان
الروائي الدكتور وسام البحيري يقدم لنا في رائعته السردية (سواقي الخريف) ابداعا ملحميا فلسفيا يحلل فيه أزمة الإنسان المعاصر، الحائر دوما بين واقعه الداخلي الإنساني المتأزم، الذي يصارع فيه نفسه والعالم من حوله، وواقعه الخارجي الذي يتأرجح بين الماضي والحاضر، بين الأصالة بما تحمل من تقاليد وقيم وبين المعاصرة الزائفة التي تئن تحت وطأة الأفكار المستوردة الجاهزة التي اصطبغ بها كل شيء، فصنعت عوالم فوضوية غيرت ملامحنا وملامح مجتمعاتنا.
هكذا كان ( سالم ) الشخصية المحورية لرواية ( سواقي الخريف ) الصادرة عام 2023 عن دار يسطرون في 200 صفحة ، التي تدور في عشرة سواقي توحي بتلك العبثية التي نعيشها منذ البداية وحتى العودة مرة أخرى لنفس النقطة في دائرية حدثية وزمانية لا تنتهي، هذه الدائرية كشفت زيف أوهام سالم الشاب الصعيدي المثقف ابن أخميم، وسعيه كغيره نحو المجد والتحقق في عوالم شاذة بماديتها المتناهية، تودي بمن لا يتماهى مع قيمها الخاصة المشوبة بالإغتراب والتهافت، ليعود مرة أخرى بعد هجرته إلى القاهرة خاوي الوفاض، ويكتشف أنه أسير في عالمه الجديد الأكثر زيفا والأشد قسوة ، فيدور في سواقيه بلا نهاية بعد أن وقع فريسة الزمن وتمكن منه الخريف إلى الأبد ، ليسقط كورقة منسية لن يلتفت إليها أحد !!!! .
فسواقي الخريف رواية أجيال تتعدد فيها الأصوات السردية وتتداخل تداخلا منسجما، في آلية تمزج بين البناء السردي والحوار الدرامي المتنامي متقطع حينا ومتتال حينا آخر، يتكيء على تهافت ذاكرة الراوي الأب سالم والتقاط السرد من خلال الابن حينا والراوي / المؤلف حينا آخر ، ولغة وأسلوب راق ومعبر يتوسل بمفردات تتجمل بعمق فلسفي وإنساني كاشف، وترصد لقطات سينمائية مشهدية غاية في التنوع والعمق البصري والسمعي ، مستدعية الجد – الجدة – الأب – الابن، والذين ينتمون معا رغم اختلاف الأزمنة إلى عوالم تتدرج في تمسكها بالمكان ومن ثم القيم والتقاليد الموروثة ، لنكتشف مستويات متعددة داخل السرد عبر توغلنا، يميط اللثام عن ذلك التعري الفاضح والتشويه المتعمد لقيمنا وثقافتنا.
فهناك المستوى الإجتماعي الروائي الرئيس، الذي يكشف مستويات أخرى فرعية متداخلة ومشتبكة ومتشعبة معا، هذا المستوى يمثله الجد عبد المهيمن الرجل المحافظ الذي يحتضن قرية اخميم بلدته فلا يفارقها، فهي عالمه حيث تربى وعمل مدرسا يقدم العلم إلى طلابه وكل ما يستطيع من مساعدة لمدرسته ولأبناء قريته اخميم، كما أنه مزارع يهتم بأرضه وزرعه ويعمل على تنشئة أبنائه على المعارف والأدب والأخلاق الحميدة في ظل كنف أمهما ( الجدة ) فاطمة البحيري، الزوجة المخلصة الوفية والقروية التي لا هم لها في الحياة سوى زوجها عبد المهيمن وأبنائهما ، هذا الجد يمثل لدى سالم ابنه الجذور والأصول والمكان الذي يعود اليه سالم مرة أخرى، وهو نادم على تركه بعد أن شعر بفشله واغترابه من أجل مجد صحفي زائف .
أما الجدة فاطمة البحيري فهي بالنسبة لسالم الصوت الداخلي/ الضمير الذي يحاسبه بعد كل تلك السنوات على شروده خارج بلدته، حيث القاهرة التي أراد أن يصنع من خلالها مجده الصحفي، ورغم أنها من وقفت إلى جواره كي يقوم بمغامرته إلا أنها مثلت له ذلك الضمير المؤنب الذي يسأله عما جناه من رحلته ومغامرته بعد كل تلك السنوات ، تاركا حضن العائلة والأرض بتقاليدها ودفئها وعبقها، ليعود بعد أن فات أوان الندم يبحث عن بصمات تلك الأيام في الشوارع ، والمزارع ، و المباني ، وفي الوجوه ، فيجد كل شيء قد تغير في بلدته أخميم بسوهاج في الألفية الثالثة ، فلا شيء سوى مشاهد عصرية زائفة تمحي كل أثر لحياته الفطرية الثرية بالعطاء والسعادة، تاركة بيت عائلة عبد المهيمن وقد اعتراه التهالك يبحث فيه عن ذكرياته وصباه مع أمه وأبيه واخوته وعن ماضيه الذي ولى .
ويمثل منذ بداية السرد ابنه محمد – الطبيب والمخرج السينمائي وصديقه المقرب الذي أفنى عمره في تربيته هو وابنته الكبرى مها – تلك العين اللاقطة التي ترقب عن قرب التحولات التي تصيب الأب السبعيني سالم المريض بالزهايمر والقولون والسكر ، في رحلتيهما من القاهرة التي هاجر اليها أبيه منذ زمن إلى اخميم مرة أخرى لبيع بيت الأب واخوته من الأعمام والعمات وأولادهما كورثة لهذا المنزل العتيق .
ومن خلال هذا الحدث الثقيل على نفس سالم نتعرف إلى واقع سياسي واجتماعي وانساني متدني يمثل مستويات أخرى أشد تعقيدا ويمتد من الستينيات – التي يصور لنا المؤلف من خلال الرواية الجانب الثقافي المنتعش الثري فيها من خلال رموز أدبية وفنية وانسانية رائعة – وحتى وقتنا هذا، بما يحمله من استقرار وتقلب في حياتنا الإقتصادية والإجتماعية والثقافية ، والتي أصبحت نتاجا مزريا لسياسات داخلية يستطيع القاريء تلمس نتائجها بداية من عصر الإنفتاح الذي جلب كل أشكال الإحتكار والتلاعب بالسلع والدين والأفكار والأخلاق، مرورا بالفساد الأخلاقي وبث الأفكار الهدامة، وذلك من خلال شخصية نجيب أبو منقار أو محجوب أبو منقار وهو الاسم الذي اختاره سالم له، ليتناسب مع اسم محجوب عبد الدايم بطل رواية القاهرة 30 لنجيب محفوظ كمعادل له في عصرنا هذا وفي كل عصر .
فشخصية محجوب أبو منقار ذلك المهادن الذي يسعى للسيطرة واكتساب السلطة والسطوة والمال، والذي يتبنى كل اتجاه يضمن له الحصول على تلك المكاسب على حساب كل فضيلة، والذي يمثل هنا السياسي المتآمر وكل خائن وأناني، هو أيضا ذلك الوسواس الشيطاني محرك الأحداث، الذي يهدم ذلك السلام الداخلي في حياة سالم، وكأن تلك الشخصية تمثل في حد ذاتها الشر بداخلنا الذي يحاول التوغل في ذواتنا والنيل من استقرارنا الداخلي، عبر الخروج بنا إلى عوالمها المتشظية بعيدا عن الحياة الراضية القانعة ، فهو ينزغ لسالم منذ البداية عندما تعرف إليه في جريدة فجرالأخبار، فيحاول دفعه للإنحراف المهني والفكري ، ثم ينزغ له للزواج من احدى بنات الأثرياء في قريته تاركا زوجته راضية، التي يمثل اسمها وسلوكها معادلا موضوعيا لحالة القناعة التي تصف سلوك سالم واختياراته، كما تمثل المكان / القرية بأصالتها وأصالة أهلها، فيتحول عنها تحولا انحرافيا ليتزوج ابنة الرجل الرأسمالي، كي يصل إلى مبتغاه كرئيس تحرير إحدى الصحف الكبيرة، في مقابل وصول أبو منقار إلى كسب صحفي ومادي على حسابه، وهو أمر يثير التساؤل حول شعور سالم بالفشل طيلة الرواية، لأنه لم يجن مكاسب مادية من عمله بالصحافة ومن رحلته في القاهرة !!!! …..
ويتعارض هذا السلوك الذي اختاره سالم بترك راضية والانصياع لأبي منقار بالزواج من بنت الرجل الثري والعمل كصحفي في جريدته مع تلك النهاية ، إذ يخبرنا السرد أن دينا بنت رجل الأعمال تهجر سالم بعد أن تترك له مها ومحمد أولادهما ليربيهما، لأنها ضاقت بحياته التقليدية الضيقة المنغلقة والمقيدة بالإلتزام الأخلاقي، باحثة عن حياة أكثر رحابة وانطلاق، والسؤال : ماهي المكاسب التي حصل عليها سالم من جراء موافقته لأبي منقار ؟ ولماذا لم يتراجع منذ زمن ؟ !!!!.
لقد كانت القاهرة عبر الغربة والإغتراب المكاني والإنساني فيها بالنسبة لسالم قراره من أجل المجد الصحفي ، ورغم كل تلك الخسائر التي مني بها من حرمانه من عائلته ومن راضية زوجته – التي أصرت على الطلاق بعد زواج سالم وشعورها بالغبن لأنها عاقر- وهجرة زوجته دينا له لتتزوج من آخر يناسبها في المستوى الأخلاقي والإجتماعي ، وصراعه بين ما تربى عليه من أخلاق واعتقد فيه وبين واقع صحفي فاسد، رغم كل ذلك لم يتخذ سالم قرار العودة منذ زمن ، ليذكرنا هنا بالبطل التراجيدي الإغريقي الذي يستمر في معاناته حتى الموت، بدلا من التراجع عما وقع فيه من خطأ مهلك، أو ربما يعتري سالم التردد والعناد ذلك العناد الذي اتهمته به أمه فاطمة البحيري كتفسير نفسي لسلوكه، نابع من صوته الداخلي الذي يتراءى له وضميره الذي يواجهه بأخطائه .

وفي غمار السرد مستوى آخر نتعرف عليه ربما أراد به المؤلف وسام البحيري أن يكون أكثر قربا، من خلال محمد ومها أبناء سالم والذين يفكرون بشكل مختلف إزاء عالمهم الواقعي المادي، فمها تدرس الكيمياء الذرية وتسافر لأمريكا وتتزوج ، ومحمد الذي يعيش مع أبيه سالم ورغم انتمائه لهذا الحاضر / والمعاصر فهو يتبنى أخلاق أبيه و يشعر بفضله عليه بعد أن أفنى عمره في تربيتهم هو وأخته كأب وصديق، مما يمثل امتدادا للجد والأب معا، لهذا فهو حريص كابن وطبيب على الإعتناء بأبيه وقد بلغ الأب السبعين من عمره واعتراه المرض، وفي نفس الوقت يرقب تغيرات الأب النفسية ومعاناته، جراء شعوره بالندم على هجر قريته وعائلته والتخلي عن راضية وعن أرضه ، ليموت الأب والأم في غيابه وتتزوج راضية الرأسمالي علي الخفيف، ورغم ذلك تظل راضية هنا التي تأتي كشبح إلى بيت العائلة لتطمئن على غرفة سالم كل ليلة كما أوصتها أمه فاطمة البحيري- رغم ما في ذلك من ملمح غرائبي – هي الحارس الأمين على ذكريات الماضي، ذلك الماضي الذي جاء هشاً كشبح متسللا يخشى افتضاح أمره، في مقابل الواقع والحاضر الثقيل وهيمنته بكل متناقضاته وانهياره الحضاري على ذاكرة سالم المسلوبة عمدا كي يأمن قسوته ، وهو تصوير أحيي المؤلف وسام البحيري عليه .
ويعد علي الخفيف أيضا تلك الصورة المحدثة التي نجدها في حاضرنا، التي تتوافق مع حال اخميم التي تركت الفطرة، فعلى الرغم من أنه ريفي معجب بسالم لكنه يتعلم منه الدرس بعد أن صرح سالم في إحدى زياراته للقرية أن المجد الصحفي لا يجلب المال، فيقرر الخفيف منذ البداية رغم دراسته للصحافة أن يسلك طريق رجال الأعمال ، ساعده على ذلك زوجته راضية التي كانت عونا له بعد أن تخلى عنها سالم، ليكون الخفيف من كبار رجال الأعمال، ويحوز الأرض والأبراج في القرية ويبني مسجدا باسمه، ويعرض على سالم وأخوته شراء منزل العائلة، فيأتي جميعهم من كل صوب للتوقيع على عقد البيع، هذا التوقيع الذي عبر عنه المؤلف / الراوي في ملمح ذكي وكاشف يظهر كمعادل لنهاية سالم بالموت كما ستأتي النهاية، وكأنه نبوءة داخلية تظهر بشكل متجسد في ارتعاشة يد سالم وهو يقوم به، بعد أن ندم على رحلته الزائفة وفقدانه لماضيه وحاضره، لكن الخفيف رغم ذلك، يشعر كواحد من أبناء القرية – الذين أنار سالم عقولهم بأفكاره – بفضل سالم عليه، ويشفق عليه من الصراع الداخلي العنيف الذي يشعر به، فيعرض في النهاية أن يرد إليه البيت ليصبح ملكه وحده، يعيش فيه آخر أيامه كنوع من رد الجميل.
وعلى حين يرفض سالم ذلك لأنه على وشك الموت ولن يجدي شراء المنزل والتضحية بشقتيه في القاهرة ، فإن الابن محمد يقوم بذلك في الخفاء، وعندما يكون على وشك تحقيق أمنية والده، تتراءى لسالم كل أطياف الماضي التي تأتيه اجترارا للذكريات حينا أو اختراقا لعالمه الذاهل حينا آخر : أبوه عبد المهيمن وأمه وعم فضل بائع الفول الرجل الصالح الذي وقف إلى جواره في القاهرة مدعما له وناصحا إياه، ليغمض سالم عينيه للأبد عن عالم فاسد لا ينتمي إليه، ويكتشف الابن موته في مشهد النهاية، ليمثل الموت هنا الخلاص من هذا الواقع الذي همش سالم وأمثاله ورفض أفكارهم لصالح كل دخيل وخبيث، وليكشف لنا الروائي وسام البحيري في روايته ( سواقي الخريف ) عن هشاشة الإنسان وتمزقه بين شقي رحى، ماضيه الوردي الذي لن يعود مرة أخرى، وواقعه الديستوبي المرعب الذي فرض عليه، ليتبدى ضعفه وندمه أمام سلوكه المتمرد، ونصبح جميعا أمام مأساتنا الخاصة، والتي تصنع منا أساطير أمام أنفسنا فتدفعنا للتمرد، لكنها لا تغني أبدا عن ذلك السلام الداخلي، الذي يجلب لنا الأمان والتصالح النفسي والتوازن في عالمنا الدائم التغير والتردي، والذي يدفعنا للنكوص اللانهائي، بعد أن أنهكنا البحث بلا جدوي عن أنفسنا التائهة المغتربة وجذورنا الأولى التي تلاشت.














