كتبها- وليد شاهين
القارئ العابد الزاهد.. نبرات صوته مسبحة خشوعٍ وشجن.. سجَّل ختمة مرتلة للعديد من الإذاعات العربية والعالمية.
لم يحدد لنفسه أجراً وإذا أعطي مبلغاً عن قراءته يضعه في جيبه دون أن يعده أو يعرف مقداره
شارك فى إنشاء أول رابطة لقراء القرآن الكريم وأصبح أول أميناً لها
حمل بين راحتيه إكسير القرآن.. وراح يسقيه العطاشى فى كل مكان.. جاب الأقطار وعبر البحار.. ونزل العواصم.. وأيقظ بتلاوته الغافل والنائم.. استمتعت به البلاد والعباد.. شعوبٌ وقوميات.. ألوانٌ وجنسيات.. لغاتٌ ولهجاتٌ.. هو القارئ العابد الزاهد ..حباه الله صوتاً متميزاً.. تلمسُ فى صوته رنة حزنٍ وشجن.. شكلت مع قوة نبرات صوته مسبحة خشوع عظيم لإيمانه بما يتلو.. لم يستمع إليه أحد إلا أحبه.. ولم ينس قطُ ذكره.. فا لصوتهِ قرارٌ عميق وجواب سليم كما تم وصفه.
الشيخ “محمود أحمد عبد الحكم” من مواليد يوم الاثنين 17 ربيع أول 1333هـ الأول من فبراير 1915، وُلِدَ فى منزل والده بقرية الكرنك مركز أبو تشت محافظة قنا، ونشأ في أسرة متدينة، فوالده كان أحد أشهر علماء بلدته المشهود لهم بالعلم والحكمة وتقدير الناس له.
ألحقه أبوه بكتاب القرية منذ صغره؛ فأتم حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، وتعلم خلال تلك الفترة أصول القراءة وقواعدها فكان يرتل القرآن ويجوده بصوتٍ عذب وبثقة بالغة وسط تشجيع أهله وأصدقائه، ولمَّا أحسَّ الأب النبوغ وحسن الصوت فى صغيره “محمود” ألحقه بالمعهد الأحمدي بطنطا لتحصيل باقى العلوم القرآنية، ومكث به عامين ثم التحق بالأزهر الشريف بالقاهرة ينهل من علمه عامين آخرين.
بدأ الشيخ “محمود عبد الحكم” فى المشاركة فى إحياء المناسبات الدينية والقراءة فى السرادقات بصوته الشجي، وشجعه حب الناس واندهاشهم من رخامة صوته المشحون بالشجن والخشوع مع روعة الأداء، إلى أن يَهِبُ نفسهُ لخدمة القرآن زهداً في عرض الدنيا ولينشر لواءه في مشارق الأرض ومغاربها ابتغاء مرضاة الله ملتزما بالأداء السليم، حتى بلغت شهرته عنان السماء وأصبح من قراء عصره المتميزين.
لم يكن الشيخ “محمود” مُحِبَّاً لكنز المال ولم يلق له بالا، فلم يعتاد أن يحدد لنفسه مبلغاً مالياً معيناً كأجر له عن قراءته فى سرادق عزاء أو غيره، وإذا أعطي مبلغاً عن قراءته يضعه في جيبه دون أن يعده أو يعرف مقداره، بل كان ينفق أحياناً من جيبه الخاص على القائمين على الخدمة في المأتم.
شارك مع عظماء التلاوة المشايخ “علي محمود، ورفعت، والصيفي، وغيرهم” في إنشاء أول رابطة لقراء القرآن الكريم عام 1940، فاختير أمينا للصندوق بها، وارتبط الشيخ بعلاقة صداقة ومحبة كبيرة بقيثارة السماء الشيخ “محمد رفعت”، وشجعه الشيخ رفعت على ضرورة أن يتقدم للإذاعة المصرية وكانت فى بدايتها، وبالفعل دخل اختبارات القراء وتم اعتماده بالإذاعة عام 1944، فوصل صوته عبر الأثير إلى كل مكان فى مصر وخارجها، وأصبح قارئا مرموقا في أنحاء العالم الإسلامي، وفي نفس العام عين قارئاً للسورة بمسجد السيدة نفيسة، واختير عضواً بمشيخة المقارئ المصرية، وكانت الإذاعة تنقل العديد من الحفلات من مساجد آل البيت فذاع صيته في الإذاعات العربية والأجنبية.
تعرض الشيخ “محمود عبد الحكم” عام 1965 لحادث مميت عند تلبيته لدعوة وزير الأوقاف الجزائري لافتتاح أحد المساجد هناك في شهر رمضان، حيث أنه في طريقه إلى المسجد انقلبت السيارة به وبمرافقيه من كبار المسئولين بوزارة الأوقاف الجزائرية؛ فأصيب الشيخ ونقل إلى المستشفي وظل بها مدة شهر تقريباً؛ ثم عاد إلى القاهرة، وكانت مفاجأة له عندما علم بمصرع جميع مرافقيه بسبب الحادث ولم يكتب لغيره النجاة، ومنذ ذلك الوقت والشيخ توعكت صحته واحتسب ذلك عند الله، وقد عاش بعدها سبعة عشر عاماً يواصل خدمته للقرآن الكريم ويسجد لله شاكراً على نجاته قارئا للسورة بمسجد السيدة نفيسة حتى توفاه الله.
جاب الشيخ “محمود” معظم دول العالم العربي والاسلامي لإحياء لليالي رمضان الكريم فزار كل البلاد العربية بلا استثناء، وكذلك “الهند، وماليزيا، والملايو، وسنغافورة، وسول بكوريا الجنوبية”، وسجَّل المصحف المرتل بالكويت عام 1980 كما سجَّل لإذاعات “باكستان، والهند، وأندونيسيا، وكوريا، وقطر، وتركيا، والمغرب، والسعودية”، كما أن له تسجيلاً في بعض الإذاعات الأجنبية التي تبث برامجها باللغة العربية مثل إذاعة لندن وصوت أميركا.
كان الشيخ “محمود عبد الحكم” يجيد فن التواشيح وكان يرددها كثيراً في المناسبات الخاصة التي تضم العديد من محبيه وله العديد من التسجيلات التي تحتفظ بها أسرته، ومع هذا فقد اتسم الشيخ بحيائه وخجله الشديد، وكان متواضعاً زاهداً في الدنيا لدرجة كبيرة، ورغم أنه كان من قراء الصف الأول إلا أنه كان يفضل البعد عن الأضواء، حتى أنه لم يكن يشاهده أحد خارج البيت سوى بالمسجد الذي كان يصلي فيه أو السرادقات التي كان يدعى إليها.
ظل الشيخ يقدّم تلاواته عشرات السنين حتى رحل عن دنيانا يوم الاثنين الموافق 13 سبتمبر من عام 1982 عن عمر ناهز 67 عاماً، رحل في صمت وهدوء وسط تجاهل أجهزة الإعلام بهذا المقرئ الكبير، تاركاً خلفه إرثاً قرآنياً متميزاً ومكتبة غنية بالتسجيلات القرآنية التي لا يزال صداها يتردد إلى يومنا هذا.. وبموته خسرت مصر والعالم الإسلامي قارئاً عظيماً ومزماراً من مزامير داود التي يصعب تكرارها.. رحم الله شيخنا الجليل رحمة واسعة.
مُنِحَ اسم الشيخ بعد رحيله بعشر سنوات نوط الامتياز في الاحتفال الديني الذي أقامته وزارة الأوقاف احتفالاً بليلة القدر عام 1992، وقد تسلم النوط نجله المهندس حسين محمود عبد الحكم.

















