»»بقلم ✍️ د.رحاب جاد
(دكتوراة فلسفة العلم والتكنولوجيا – كلية الآداب جامعة المنصورة)
في مُستهل حديثا وفي بداية المقال قبل أن نتطرق إلى موضوع المقال فيجب أن نعرف أولاً، متى بدأت “فلسفة الذكاء” ؟. بدأت منذ العصور القديمة ، على يد العديد من الفلاسفة مثل “أفلاطون” و”أرسطو” ، والذين إهتموا بمسائل تتعلق بالعقل والوعي والذكاء البشري. فكانت تساؤلاتهم تدور حول طبيعة الفكروالوعي وما يعنيه أن تكون كائنًا ذكيًا. وهذه الأسئلة تُعتبر من البدايات الفلسفية التي تؤثر على المفاهيم الحديثة للذكاء الإصطناعي .
فإن الذكاء الإصطناعي كـ “علم” حديث وعلم مُعاصر، بدأ في مُنتصف القرن العشرين.وهنا يُمكن إعتبار مؤتمر “دارتموث” الذي عُقد في عام 1956م البداية الرسمية لهذا المجال، حيث إجتمع مجموعة من العُلماء لمُناقشة إمكانيات تطوير الآلات الذكية. وهذا المؤتمر يُعتبر النقطة التي إنطلقت منها الأبحاث الجادة في مجال الذكاء الإصطناعي .
وهنا نجد أن فكرة الذكاء الإصطناعي بدأت كـ “حلم” بعيداً في عقول العُلماء والفلاسفة منذ العصور القديمة. ومع بداية القرن العشرين، شهدنا تطوراً ملحوظاً في هذا المجال مع إختراع أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات الذكية.
ولقد ساهم رواد البرمجيات مثل “آلان تورينج” و”جون مكارثي” في وضع الأُسس الأولى للذكاء الإصطناعي، حيث طرحوا أسئلة فلسفية جوهرية حول إمكانية مُحاكاة الذكاء البشري بواسطة الآلات .
فلا غرور أننا نعيش اليوم عصر رقمي تلتقي فيه الرياضيات وعلوم الحاسب بطرق مُستحدثة تُعد هي نواة تكنولوجيا الجيل السادس .
ويُعد الذكاء الإصطناعي أحد فروع العلوم الحديثة التي ظهرت مع تطور التكنولوجيا وتحول الحاسوب في كافة المجالات البحثية والصناعية ، فهو يُساعد على إنجاز عديد من المهام التي يصعب على الإنسان القيام بها وبكفاءة أعلى من كفاءة البشرية .
فالذكاء الإصطناعي من فترات طويلة جدا (AI) لم يعد فكرة خيالية في روايات الخيال العلمي ، بل أصبح واقعاً يُغير حياتنا بشكل جذري من التطبيقات البسيطة في الهواتف الذكية، إلى المُساعديين الشخصيين الرقميين ، السيارات ذاتية القيادة إلى الأنظمة المُعقدة التي تُدير الشركات والمُجتمعات الصناعية والبشرية .وكما نعرف أن الذكاء الإصطناعي مُتغلغل في كل جوانب حياتنا ، من تحسين العمليات الصناعية إلى تطوير الأنظمة الذكية . وللذكاء الإصطناعي تأثيرات واسعة النطاق والأفق . وأيضاً يتجلى الذكاء الإصطناعي فى كل زاوية
من زوايا التكنولوجيا الحديثة . لكن خلف هذه الإبتكارات تكمن أسئلة فلسفية عميقة حول طبيعة الذكاء الإصطناعي وحدوده وتأثيره على البشرية .
ويكتسب الذكاء الإصطناعي المعلومات من خلال المُمارسات العملية ، ومن خلال البرمجة. ولكن مع التطور التكنولوجي أصبحت أنظمة الذكاء الإصطناعي قادرة على التصرف بدون بدون برمجة أو تصميم مُسبق ، حيث أصبحت تتمتع بالقُدرة على الإدراك الحسي وإتخاذ القرارت بشكل سليم يفوق قُدرة الإنسان الطبيعي بما لها من قُدرة على التعلم والتطور .
فبعد ظهور الذكاء الإصطناعي كـ “مجال بحثي” ، بدأت الفلسفة تتناول القضايا الأخلاقية والفلسفية المُتعلقة بالذكاء الإصطناعي . ومثال على ذلك : الفيلسوف “جون سيرل” ، الذي قدم تجربة الغرفة الصينية في عام 1980، وطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الآلات يُمكن أن تمتلك عقلًا أو فهمًا حقيقيًا ؟ ، فمن هُنا بدؤوا في مُعالجة ومُناقشة هذه المسائل .
كما تعود جذور فلسفة الذكاء الإصطناعي إلى الأسئلة الفلسفية العميقة حول طبيعة العقل والوعي . ففي العصر الحديث تمحورت النقاشات حول إذا كان بإمكان الآلات إمتلاك عقل أو وعي ، وكيف يُمكن تعريف ” الذكاء” بشكل دقيق .
ولكن ما هي الفلسفة الكامنة وراء هذا التطورالتكنولوجي ؟ وكيف يُمكننا فهم هذا من منظور فلسفي ؟ هذا المقال سيكشف فلسفة الذكاء الإصطناعي وتأثيرة العميق على البشر والمُجتمع .
تعريف الذكاء الإصطناعي :
هو إدراك المعلومات وتوليفها وإستنتاجها التي تُظهره الآلات .على عكس الذكاء الذي تعرضه الحيوانات غير البشرية أو البشر. تتضمن أمثلة المهام التي يتم فيها ذلك التعرف على الكلام ، ورؤية الكمبيوتر ، والترجمة بين اللغات (الطبيعية) بالإضافة الي تعيينات إخري للمُدخلات تشمل تطبيقات الذكاء الإصطناعي مُحركات بحث الويب وأنظمة التوصية مثل :
Google-YouTube- Amazon Alexa- NetflixSiri –Waymo- ChatGPT -Self-driving car – siri – وفهم الكلام البشري – وإتخاذ قرارات آلياً والتنافس على أعلى مُستوى في أنظمة الألعاب الإستراتيجية مثل الشطرنج والخ.
ولقد أورد العديد من الكُتاب مجموعة من التعريفات للذكاء ، أشارت إليها القواميس المُتخصصة في المجال وسنذكر بعض التعريفات ومن أشهرها :
1/ /العالم جون مكارثي عرف “الذكاء” بأنه “الجزء الحسابي وهو القدره على تحقيق الأهداف في العالم”. وهو عالم أمريكي في مجال الحاسوب، حيث يعود له الفضل في إختيار لفظ الذكاء الإصطناعي وإطلاقه على هذا العلم .
2/ الذكاء الإصطناعي فرع من علم الحاسب الآلي يبحث فى فهم وتطبيق تكنولوجيا تعتمد على مُحاكاة الحاسب الآلي لصفات ذكاء الإنسان .
3/ يرى إتجاه آخر أن الذكاء الإصطناعي هو ” أحد علوم الحاسب الآلي الحديثة التي تبحث عن أساليب مُتطورة للقيام بأعمال تُشابه – ولو في حدود ضيقة – تلك الآساليب التي تُنسب لذكاء الإنسان” . كما عُرف أيضاً بأنه ” فن تصنيع الآلات القادرة على القيام بعمليات تتطلب الذكاء عندما يقوم بها الإنسان” .
4/ في حين يرى إتجاه آخر أن الذكاء الإصطناعي هو “عملية مُحاكاة للذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهو محاولة لتقليد سلوك البشر من خلال إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في مواقف مُعينة ومُراقبة ردود أفعالهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع هذا الموقف ثم محاولة مُحاكاة طريقة التفكير البشرية عبر أنظمة كمبيوتر مُعقدة “.
5/ الذكاء الإصطناعي “هو تطور علمي أصبح من المُمكن بموجبه جعل الآله تقوم بأعمال تقع ضمن نطاق الذكاء البشري كآلات التعليم والمنطق والتصحيح الذاتي والبرمجة الذاتية ” .
والإستنتاج الذي نستخلصه من التعريفات السابقة هو أن بعض المؤلفين يرون الذكاء الإصطناعي كتطبيق حاسوبي ، بينما يرى آخرون أنه علم مُنفصل عن أجهزة الكمبيوتر ، ويعتقد البعض أن قُدرات البرمجيات هي التي مُمكن أن تفعل ذلك .
ومن هنا توصل المؤلفين إلى أنه كان هناك عدم إتفاق على المفهوم حتى بين الخُبراء في هذا المجال ، وهذا ليس مُفاجئاً لأن الذكاء الإصطناعي لم يتم نشر نتائج أبحاثه على نطاق واسع حتى مُنتصف السبعينات . فكانت هناك مُحاولات مُتعددة لتحديد تعريف مُناسب لها ، لكن المؤلفين لم يتمكنوا من العثور على تعريف واحد يُميز الذكاء الإصطناعي منذ البدأ بمحاولة محاكاة الشطرنج .
فلسفة الذكاء الإصطناعي : هي فرع من فلسفة التكنولوجيا التي تستكشف الذكاء الإصطناعي وآثاره على معرفة وفهم الذكاء والأخلاق والوعي ونظرية المعرفة والإرادة الحرة.
وعلاوة على ذلك تهتم التكنولوجيا بإنشاد حيوانات إصطناعية أو أشخاص مُصطنعين ، لذا فإن الإنضباط يحظى بإهتمام كبير من الفلاسفة . فهذه العوامل ساهمت في ظهور فلسفة الذكاء الإصطناعي . كما يُجادل بعض العلماء بأن رفض مُجتمع الذكاء الاصطناعي للفلسفة أمر ضار جداً .
فتحاول الفلسفة الإجابة على مثل هذه الأسئلة على النحو التالي :
هل تستطيع الآلة التصرف بذكاء؟ هل يُمكن أن يحل أي مشكلة يُمكن للإنسان أن يحلها بالتفكير؟ هل الذكاء البشري وذكاء الآلة مُتماثلان؟ هل يُمكن للآلة أن تمتلك عقلاً وحالات عقلية ووعيًا بنفس المعنى الذي يُمكن للإنسان أن يمتلكه؟ هل يُمكن أن تشعر كيف تسير الأمور؟ تعكس هذه الأسئلة الإهتمامات المُتباينة لباحثي الذكاء الإصطناعي والعلماء الإدراكيين والفلاسفة . فتعتمد الإجابات العلمية على هذه الأسئلة على تعريف “الذكاء”و”الوعي” وعلى وجه التحديد أي “الآلات” .
تتعلق فلسفة الذكاء الإصطناعي بدراسة الأُسس التي تقوم عليها تقنية الذكاء الإصطناعي .
كما تتناول هذه الفلسفة العديد من التساؤولات مثل :
ما هو الذكاء الإصطناعي ؟ وما هي الأُسس الفلسفية التي تقوم عليها ؟ وهل يُمكن أن يكون الذكاء الإصطناعي أفضل من الذكاء البشري؟ وهل يُمكن للآلة عرض ذكاء عام؟ وهل يُمكن أن تمتلك عقلاً ووعياً وحالات عقلية؟ وهل التفكير نوع من الحساب؟ وهل يُمكن للآلة أن تمتلك مشاعر؟ وهل يُمكن للآلة أن تكون مُدركة لذاتها؟ وهل يُمكن للآلة تقليد كل الخصائص البشرية ؟ وأخيراً، هل يُمكن للآلة أن يكون لها روح ؟
كل هذه التساؤلات تنطلق من خلالها “فلسفة الذكاء الإصطناعي”.
ومن هنا يتضح لنا أن فلسفة الذكاء الإصطناعي تعتمد على عدد من النظريات الفلسفية ، بما في ذلك الإيمان بأن الذكاء يُمكن تحقيقه بالتنظيم المنطقي للمعلومات والبيانات ، وأنه يُمكن إعطاء الآلات القُدرة على الإستنتاج وإتخاذ القرارت الذاتية .
فمن خلال دراسة فلسفة الذكاء الإصطناعي ، يُمكن للفلسفيين أن يتعلموا كيفية التعامل بشكل مسؤول مع هذه التكنولوجيا المُتقدمة . بالإضافة إلى ذلك ، يُعتبر فلسفة الذكاء الإصطناعي مجالاً مهماً في دراسة الطرق التي يُمكن من خلالها تحسين الذكاء الإصطناعي وجعلة أكثر فعالية وفاعلية ، فمن الجوانب التي تدرسها فلسفة الذكاء الإصطناعي .. طُرق تدريب النماذج الذكية ، تحسين الخوارزميات التي يعتمد عليها الذكاء الإصطناعي ، وتطوير نماذج الذكاء الإصطناعي التي تكون أكثر تنوعاً وتشمل أفضل التقنيات المُتاحة .
ومن المُهم أيضاً ، أن يكون لفلسفة الذكاء الإصطناعي دور في مُساعدة الجمهور على فهم التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الإصطناعي وما هي إستخداماته المُحتملة والفوائد والمخاطر المُرتبطه به .
وبشكلٍ عام ، تُعد فلسفة الذكاء الإصطناعي مجالاً مُثيراً للإهتمام والبحث المُستمر، حيث يُمكن لهذه الفلسفة أن تلعب دوراً هاماً في تحسين الذكاء الإصطناعي وجعله أكثر فعالية ، بالإضافة إلى تعزيز فهم الجمهور للتكنولوجيا وما هي التحديات والمسائل المُرتبطه بها.
وأخيراً وليس أخراً .. نُلخص ماسبق بأن هُناك رؤية مُستقبلية لفلسفة الذكاء الإصطناعي . وهي أن فلسفة الذكاء الإصطناعي تفتح أبواباً واسعة للنقاش حول المُستقبل والتكنولوجيا والعلاقات الإنسانية. وإنها دعوة للتفكير العميق حول كيفية توجيه وتطوير هذه التكنولوجيا بطُرق تخدم الإنسانية وتُعزز قيمها الأساسية.
وفي الختام .. يُمكن القول أن الذكاء الإصطناعي جُزء لايتجزأ من تقدم المُجتمع البشري، وذلك بفضل قُدرته على تحسين الكفاءة ، وتحليل البيانات وتعزيز الإبتكار، كما يُعد الذكاء الإصطناعي أداة قوية يُمكن إستخدامها لحل العديد من التحديات التي تواجه البشرية اليوم وتحسين جودة الحياة فى مُختلف المجالات .
ولنا لقاءٍ أخر في سلسلة مقالات الذكاء الإصطناعي ..
نقطة ومن أول السطر ..














