بقلم ✍️ : د.محمد يحيى فرج
( أديب ومدرس بكلية الصيدلة جامعة السادات)
في القرن التاسع العشر ومع انطلاق الثورة الصناعية في أوروبا، بدأت الحياة البسيطة التقليدية تتطور وتتعقد وأخذت طرق كسب العيش تتغير وتحتاج المزيد من المهارات والمزيد من التنافسية. وينما كان الجميع يتأمل منجزات التقدم العلمي والتكنولوجي المبهرة وينظرون إلى آثارها الرائعة على الانتاج والرعاية الصحية والخدمات.
كان بعض المفكرين والادباء ينظرون إلى بعض الجوانب الاجتماعية والوجدانية في قلق ويحاولون التنبيه إلى بعض السلوكيات الجديدة التي تحتاج إلى تأمل.
من هؤلاء كان “تشارلز ديكنز” الروائي الانجليزي الفذ الذي تأمل في النزعة التي سادت عند البعض آنذاك من الاندفاع نحو تعظيم الربح والمكسب المادي فقط و الهوس بصعود درجات السلم الاجتماعي بلا اهتمام بالمشاعر و الإنسانيات وقيم الخير والعاطفة والجمال.
تتبع “ديكنز” مآل هذه الحياة الجافة الخالية
من الوجدان والمشاعر و الإنسانيات والقيم النبيلة و رسمت يداه هذه الصورة الدرامية بعبقرية وإبداع متفردين في رواية أوقات عصيبة.
وقارنت أنامل “ديكنز” الفذة بين هؤلاء العازمين على اتخاذ كل القرارات بناء على حسابات نفعية بحتة بمقياس الربح والخسارة الماديين دون أدنى مجال للعواطف والوجدانيات وقيم الخير وحيث كل الخطوات انما هي درجات في طريق صعود السلم الاجتماعي والثراء المادي دون اي اعتبار آخر، و بين الآخرين الذين امتلئوا بحب الخير و الجمال والفضيلة واحتفظوا بركن مهم في صدورهم للإنسانيات و الأخلاق والعواطف الجياشة النبيلة .
تتبع ديكنز مسار الحياة مع شخصياته و تأمل مسار ابطال روايته مع الزمن وبينت روايته مآل المسار الاول فدارت مصائر هذه شخصيات بين الانحراف والسقوط في درب الجريمة لهثا وراء الثراء و بين الحياة التعيسة الكئيبة الخالية من اي عواطف اوقيمة وبين السلوك المشين المتصنع الناكر للجميل والغير عابئ بأي قيمة. وفي مقابل كل هذا الحزن و التعاسة والتهاوي، جاءت شخصيات المسار الثاني متوازنة وناضجة و مفعمة بالحيوية وحب الخير والفضيلة والحياة.
وبينما كانت احداث الرواية تنساق على يد الكاتب المتفرد في تسلسل رائع ومزيج من الحبكة والتشويق منقطعي النظير، كان القارئ يستلهم المغزى بأن الإنسان انما هو كتلة حيوية من لحم ودم ومشاعر تحتاج الى الانسانيات والعواطف والأخلاق كما تحتاج للثراء والارتقاء والجاه. وان اختزال قيمة الحياة في تحقيق النجاح باعتباره تراكم للمال او صعود في السلم الاجتماعى بدون اعتبار لقيم الخير و الفضيلة و الانسانيات و العواطف لهو اختزال مخل يحتاج في البداية لإعادة تعريف مفهوم النجاح و إعادة ضبط بوصلة الطريق. وان جمال الشخصية الإنسانية انما هو في بساطتها و صدقها و بعدها عن التكلف و التصنع مهما تعقدت و تقدمت الحياة و في تمسكها بقيم الخير و الحب و الانسانية.
و يوما بعد يوم و مع تسارع وتيرة الحياة و مع تزايد ضغوطاتها و تحدياتها، لازالت تلك الاعمال الأدبية الرائعة تمتع و تلهم القارئ و لازالت الأعين تبحث في لهفة عن ذلك الاديب و الفنان الذي ينفذ ببصيرته النافذة في اغوار النواحي الاجتماعية و يحلل الأنماط السلوكية و يرسمها بريشته فيسطع في ثنايا لوحته الواقع الملتبس على البعض و يتبدى بصورة واضحة المعالم بارزة القسمات و تبقى هذه الأعمال الابداعية الراقية تحفر لنفسها مكانا متفردا في دنيا الأدب و الإبداع.













