# من أول السطر
ما بين الأمس واليوم ومع التطلعات للمستقبل المنظور تبقي أفكار تطوير وتحديث منظومة التعليم تبحث عن مقترحات مبدعة وقواسم مشتركة وملتقيات موضوعية ومتكاملة تجمع كل الرؤي من أجل النهوض بها ،وتحقيق صالح الوطن والمواطنين.
ومن جديد ،وفي أجواء مفعمة بالقلق والتوجس عاد الحوار والمراء حول قرارات وزارة التربية والتعليم لتطوير المواد التي يتم تدريسها في المرحلة الثانوية.
كما احتدم الجدل حول طبيعة المواد المدمجة والأخري التي اختفت من الصفين الثاني والثالث.
كما دارات مناقشات حول الأسباب الحقيقية التي جعلت الوزارة تقدم علي اتخاذ مثل هذه القرارات وفي هذا التوقيت وبصورة مفاجئة ،ومدي ملائمة هذا القرارات لظروف العملية التعليمية متشابكة الأبعاد!.
الوزارة أعلنت أن القصد من هذه التعديلات التخفيف عن الأسرة المصرية ومحاولة لرفع الأعباء المتزايدة عن كاهل المواطنين،إضافة إلي أنها السبيل للقضاء على “كابوس” الثانوية العامة عبر تقليل عدد المواد في الصف الثالث..
وبطبيعة الحال طرحت القرارات المفاجئة العديد من علامات الاستفهام في الشارع المصري ،حول أهمية أن تطرح افكار التطوير بشفافية ،وتقديم مبررات مقبولة اجتماعيا وعمليا وتتناسب مع تطورات التعليم الجامعي واحتياجات سوق العمل دون إخلال بأهمية المواد والعلوم النظرية أو الإنسانية ،والعلوم الطبيعية والتطبيقية علي حد سواء.
وأتصور أن الجهود الحثيثة لإيجاد مخرج للتخلص من “ماڤيا” الدروس الخصوصية ، وإمبراطوريات
التعليم الموزاي ،ولو بصورة تدريجية هو تطور مهم، يستحق الثناء والتقدير بشرط طرح هذه الأفكار علي مائدة الحوا التشاركي ،تهيئة الأجواء المجتمعية وإيجاد البديل نحو ضرورة عودة طلاب الثانوية للمدراس كما اعتدنا إبان عصور الثانوية التقليدية التي خرجت أجيالا من المبدعين والعلماء وكبار الأطباء والإعلاميين والمهندسين،وغيرهم.
ولو أردنا أن نناقش هذه القرارات بموضوعية واتزان ..بداية كنت أتصور أن تخرج هذه القرارات في ثياب الحوار الوطني وفي سياق عبر حوار مجتمعي محدد القنوات والمراحل ،يضم كافة عناصر العملية التعليمية كالإدارة والمعلم وممثلين من الطلاب ، وأولياء الأمور ،مع الاستماع لرؤي الأحزاب السياسية ،”وما أكثرها” ونواب الشعب عبرمجلسي النواب والشيوخ، علاوة علي الاستفادة من رؤي الخبراء والمتخصصين ونتائج الدراسات العلمية في هذا الشأن ،تجنبا لهذا الجدل، ولتلك الهواجس ، ولإحتمالية الرفض الاجتماعي، تخوفا من ارتباك العملية التعليمية،وسعيا لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
وفي تقديري أنه من مرتكزات الإدارة العلمية الناجحة ومن آليات الإقناع عرض التجارب السابقة والنماذج الناجحة في مختلف الدول العربية والأجنبية،والتي قطعت أشواطا وحققت قفزات فائقة في ملف تطوير التعليم بشكل عام ومرحلة التعليم ما قبل الجامعي بصفة خاصة.
ومع بريق البدايات وعجلة القرارات ،فقد جانب وزير التعليم الصواب في معالجة ملف من أخطر الملفات التي تتعلق بتحديد مصير أفراد “دولة الثانوية العامة”، والتي يزيد عددها سنويا في بلادنا بصفة مطردة ، مع الزيادة السكانية الطبيعية ،علاوة علي تنامي إعداد الوافدين واللاجئين حتي تجاوز حاجز ال 750 ألف طالبا وطالبة ،وهو رقم ضخم يزيد بضعفين عن عدد سكان دول خليجية كالكويت ،وربما يوزاي عدد دول عربية وأجنبية أخري!.
ولا يخلو كل بيت من بيوت ارض الكنانة من طالب أو أكثر في المرحلة الثانوية ،فلا ريب أن الأمر يستحق مزيدا من الاهتمام والتخطيط العلمي والتريث بعيدا عن التسرع والعشوائية والتجارب غير محسوبة العواقب!.
وفي هذا السياق يجب إدراك مجموعة من الحقائق علي رأسها عدم رضاء أولياء الأمور علي كل محددات العناصر التعليمية بالمرحلة الثانوية والتي أصبحت حقلا خصبا للتجارب دون دراسة وافية ومتكاملة لإشكالياتها وكافة التحديات التي تواجهها!.
ومن الحقائق أيضا فشل منظومة “التابلت”، وضعف مردودات التعليم “أون لاين”، وتجارب التعليم الهجين إبان الأزمات ،لاعتبارات تقنية واقتصادية، وغياب التدريب والكوادر المؤهلة من المعلمين، وخاصة بعد توقف التعيينات وضخ دماء جديدة.
ومن الحقائق المؤلمة شعور المعلم بالتهميش ،وأنه أداة لتنفيذ السياسات التعليمية دون مشاركة في صنع القرار ،فمن الحقائق الموجعة أن كثيرا من قرارات يتم اتخاذها بصورة فردية ومركزية دون دراسة وافية تنطلق من رؤية مجتمعية متكاملة في إطار التخطيط الاستراتيجي الفعال ووفقا لحوار مجتمعي متعدد المراحل ..
وهناك فجوات بين الوزير ومديري المديريات والإدارات التعليمية ،وما هو منوط به..وأتصور أنه بصفته السياسية والتقنوقراطية مطلوب منه استيعاب الجميع ، وتفهم أبعاد كافة المشكلات ،والتعبير الصادق عما يجيش في صدور الناس وقد جاء لحل المشكلات لا افتعال الأزمات بدون مبرر!.
كما أن لدينا برلمان ومجلس شيوخ ولجان تعليم متخصصة بهذه المؤسسات النيابة ونقابة عريقة للمعلمين تضم رواد وشيوخ المهنة،كما أن هناك خبراء ومتخصصين ومراكز للتطوير يجب أن يكون لهؤلاء جميعا ولتلك المؤسسات دور في تحديد ملامح التطوير ومرتكزاته ومنطلقاته وآلياته.. وهو عين العقل والمنطق والحكمة وما تقتضيه المصلحة العامة وفلسفة الحياة المعاصرة.
ومن الحقائق التي لا ينكرها إلا من ينكر طعم الماء من سقم أو ضوء الشمس من رمد، انتشار ظاهرة “التفوق الوهمي”، والتي فاقت بآفاتها ظاهرة التلقين والحفظ الآلي ،مع انتشار حالات الغش الجماعي التي يسرها بكل آسف أنظمة الامتحانات التي تعتمد علي “الاختيار من متعدد”.. وتراجع نسبة الأسئلة المقالية والأسئلة التي تعتمد علي التفكير الإبداعي والنقدي.
ولعل نتائج الفرق الأولي والتي لم تتجاوز نسب النجاح فيها ال 20% ببعض كليات الطب والهندسة تكشف جليا عن جوانب هذه المأساة ، وعن تراجع نواتج التعليم الثانوي خلال السنوات الأخيرة.
وفي تقديري رغم محاولات التطوير خلال السنوات الماضية في المرحلة الثانوية ،فإن الصورة التقليدية للامتحانات كانت هي الأفضل رغم اعتمادها على آلية الحفظ والتلقين.
وقبل الشروع في فكرة التطوير وإيجاد مخرج لمعالجة الأخطاء السابقة يجب البحث عن حلول جذرية بعيدا عن آليات “الترقيع”، والحلول المؤقتة..
ولا يختلف اثنان من الخبراء علي ضرورة عرض حصاد السنوات السابقة وإجراء تقييم وتقويم بعدي وقبلي وموضوعي لكافة التجارب السابقة قبل السير في طريق مغاير وخوض تجربة جديدة !
ويبقي الاهتمام بالمعلمين والإدارة التعليمية هو أمر مهم لأداء مهامهم علي أكمل وجه، علاوة علي ضرورة زيادة برامج التدريب والإعداد ينبغي إيجاد آلية عملية لمضاعفة رواتب المعلمين، والارتقاء بالامتيازات المقدمة لهم ومن بينها المعاشات ومكافآت نهاية الخدمة باعتبارهم من أهم عناصر العملية التعليمية ،وربما يكون بداية السبيل إلي القضاء المبرم علي “بلية ونكبات” الدروس الخصوصية ومردودها السلبي علي الأسرة والطلاب.
ومهما تغيرت الأشخاص والتوقيتات والظروف وتعددت المتغيرات يظل التوصيف السليم لمشكلات المنظومة التعليمية في بلاد المحروسة وتحديد عناصرها وإدارك تحدياتها وتقييم صورها وانماطها في الماضي والحاضر ،اهم أسس رسم السياسات للمستقبل ووضع العلاجات الناجعة وتصميمات الاستراتيجات الفعالة بهدف إحداث تطوير وتحديث حقيقي ،بعيدا عن فكرة التغيير لمجرد التغيير..وإحداث طنطنة وضجيج و”شوإعلامي” دون حصاد مثمر!.














