ليست مصادفة ما أعلنه الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الحالي للانتخابات الأمريكية دونالد ترامب، في حملته الانتخابية، أن مساحة إسرائيل الصغيرة تحتاج إلى توسع، تتوافق مع بدء العنصري الإسرائيلي سيموتريتش حملة لضم مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى المستوطنات، بدعوى وصل أراضي إسرائيل التاريخية، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قديمًا.
إن لم نكن نسينا، فإن ترامب هو الذي أهدى هضبة الجولان السورية إلى إسرائيل، في تجاوز صارخ لحقيقة أن الجولان أرض سورية محتلة، وهو الذي وافق على نقل سفارة بلاده إلى القدس، متغافلًا قرارات المؤسسات الدولية بحل الدولتين، والذي يقضي بحق الفلسطينيين في القدس الشرقية عاصمة لبلادهم. غير الغزو العسكري الإسرائيلي جغرافية فلسطين المحتلة، في نكسة يونيو اللعينة. ورغم المعاهدات العربية الإسرائيلية، وآخرها اتفاقية أوسلو بين السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال، فإن الأراضي التي خصصت للدولة الفلسطينية ليست كذلك، إنما هي مستباحة للمستوطنات المتزايدة، ولمعسكرات الجيش الإسرائيلي، وكردوناته، واقتحاماته، وأوامره بالإخلاء، وعملباته التدميرية، وكل ما يخضع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لسطوة الاحتلال. وكم يبدو قاسيًا مشهد اقتحام الدبابات الإسرائيلية رام الله، مقر إقامة أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية، يدير منه حكم ما تبقى من فلسطين المحتلة، ويستقبل – بما لا يجاوز المظهرية – زعامات عربية وعالمية.
كما أشرت من قبل، فإن الصورة الحالية للمشهد الفلسطينى هي الاحتلال الصهيوني، إذا كان وجوده معلنًا فى الضفة الغربية، فإنه يبين عن وجوده فى غزة بالحصار والإغارات وعمليات الاغتيال الفردي والجماعى، وهو ما تجاوزه الاحتلال منذ الثامن من أكتوبر – بحرب إبادة معلنة.
المساعدات الإنسانية صلة بين الفلسطينيين والعالم – أو هذا هو المخطط الاحتلالي – لا تشغلهم مواطنة، ولا انتماء، ولا استشراف مستقبل. يتلقون المساعدات والمنح والهبات وفرص التشغيل، فإذا حاولوا اجتياز الخطوط الحمراء، كل ما عدا التقاط الأنفاس، واجهوا عقوبات تشمل الاعتقال والسجن والاغتيال وتدمير المساكن والنفي والتسفير.
لك أن تتصور دولة قوامها المساعدات الإنسانية. لا قدرة لمواطنيها على حكم أنفسهم، ولا قوات مسلحة، ولا تمثيل خارجي، ولا مشاركة في أنشطة دولية.
إذا كان العالم – بما فيه الأقطار العربية – سعيًا لإقرار السلم، قد وافق على الحل الذي تنقصه العدالة، بدولة فلسطين في حدود ما قبل 1967، فإن ممارسات الكيان الصهيوني، فضلًا عن تصريحات قادته المعلنة، ترفض ذلك الحل، وتصر على تهويد كل الأراضي الفلسطينية. أذكرك بقول وزير المالية الإسرائيلي – تعليقًا على فكرة إقامة الدولة الفلسطينية – : لا سمح الله!
حل الدولتين ليس واردًا في أذهان الساسة الإسرائيليين. ذلك موقف الائتلاف الحاكم والأحزاب المعارضة. التصور الوحيد هو الدولة اليهودية على أرض فلسطين، بداية لتحقيق حلم من النيل إلى الفرات.
إنه يدعو إلى دولة فلسطينية. هذا ما قاله نتنياهو، تعقيبًا على رأي سياسي غربي. اللهجة استنكارية، وغير مصدقة. أضاف – والكلمات موثقة في الفضائيات – أن المناطق التي يقيم فيها الفلسطينيون يجب أن تكون منزوعة السلاح، وخاضعة للسلطة العسكرية الإسرائيلية.
لإسرائيل أحلامها ومطامعها التى تشمل المنطقة العربية. وإذا كانت القوة العسكرية وسيلة لتحقيق ذلك، فإن إلغاء التاريخ العربى، أو نسبته إلى الدعاوى الصهيونية، وسيلة أخرى مهمة، بحيث تصبح حضارة المنطقة وتراثها وتاريخها ملكاً لليهود، بينما ينفى الوجود العربى، ويتحول إلى هوامش بلا تأثير!
أشير إلى قول حسن نافعة إن إسرائيل تؤمن – إلى درجة اليقين – بأن كل ما هو عربي وإسلامي، وليس فلسطينيًا فقط، يشكل تهديدًا آنيًا أو محتمًا لها. لذا فهي لا تتوقف كثيرًا في حقيقة الأمر عند السمة الأيديولوجية للخطاب السياسي الرسمي في أي دولة عربية أو إسلامية، لأن ما يعنيها حقًا هو مدى ممارسة الأنظمة القائمة سياسات تتفق مع مصالح مشروعها الصهيوني الكبير.
تفتت الأقطار العربية هو الهدف الاستراتيجي لإسرائيل. وهو ما تسعى إلى تحقيقه باختلاق الخلافات الطائفية، العرقية، المذهبية. وللأسف فإن الفأس الإسرائيلية تضرب في أراض رخوة، تفرض احتمالًا وحيدًا، هو الثمار الفجة. وذلك ما تستهدفه إسرائيل.
إسرائيل كيان غربى، زرع فى المنطقة لا لمجرد أن يبقى، وإنما لكي يتوسع ويفرض السيطرة على المقدرات والمصائر، تسانده دعاوى وحجج ، تبدأ بالأساطير، وتنتهي بالمزاعم الباطلة .
أعترف أنى ممن يفضلون تسمية الأمور بمسمياتها. ولعل تأمل تطورات الصراع العربى الصهيونى من ناحية، وتطورات العلاقات العربية الأمريكية، والصهيونية الأمريكية من ناحية ثانية، تأكيد على أن صراعنا – منذ زرعت إسرائيل فى المنطقة العربية – ليس مع الجسم الغريب، لكن مع الدولة التى زرعته، وأحاطته بكل ضمانات القوة والتفوق والاستمرار.
بديهية أثق إنك تؤمن بها مثلى، لكن معرفة الحالة، تشخيص الداء، هو كل ما نملكه، فلسنا أصحاب قرار.
مع أنى ألح في ضرورة أن يتجه إعلامنا إلى الرأي العام العالمي وليس إلى نحن، فإني أجد في توجه الكتاب الذي سأحدثك عنه إلى القارئ العربي أمرًا مطلوبًا. إنه يحسن تحديد أبعاد قضيتنا جيدًا، وحجم المأساة التي نحياها منذ مطالع القرن العشرين، بداية من وعد بلفور، وانتهاء بالمساندة المعلنة من الولايات المتحدة لإسرائيل فى هجمتها الشرسة، ليس لمجرد احتلال الأرض والاستيطان، وإنما لإحلال أربعة عشر مليوناً أرجاء العالم فى مساحة الأرض الممتدة من المحيط إلى الخليج.
قد يبدو التطلع مجنونًا، لأن ذلك العدو الذي يمثل كل يهود العالم لا يزيد عن قطرة في محيط الشعب العربي الذين جاوز تعداده ثلاثمائة مليون، فضلًا عن المحيط الإسلامي الذى تجاوز المليار ونصف المليار.
المعلومات الموثقة التي يتضمنها الكتاب تدعونا إلى مراجعة وعينا بأبعاد الصراع العربي الصهيوني ، وإدراكنا للمخاطر التي تمس صميم وجودنا في هذه المنطقة من العالم.
الكتاب للدكتورة صفا محمود عبد العال، وهو – كما قلت – يحفل بمعلومات صادمة، توضح خطورة التحدى الذي نواجهه.
إن هدف إسرائيل من خلال الوثائق والبيانات الدقيقة هو تحويل هذه المنطقة، كل المنطقة، إلى أقاليم خاضعة للهيمنة الصهيونية، ليس على المستوى العسكري فحسب، وإنما على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بل إن إلغاء اللغة العربية -تصور !؟ – وإحلال اللغة العبرية محلها، بعض أضغاث الأحلام الصهيونية!
ولأن قادة إسرائيل يدركون صعوبة تحقيق المعادلة في ظل ظروف غير مواتية، أهمها – كما أشرت – وجود إسرائيل كالجزيرة التى يحيط بها محيط عربي وإسلامي بلا آفاق.. لأنهم يدركون ذلك جيدًا ، فقد عنوا – من قبل إنشاء الكيان الصهيونى – بتصنيع السلاح النووي، كوسيلة حاسمة لتركيع المنطقة العربية. تبدلت حكاية الدولة الصغيرة الضعيفة وسط غابة من الأعداء. أصبحت الدولة التي لا تقهر، والتي إذا تكلمت فعلى الجميع أن ينصتوا، وإذا هددت فإن تهديداتها يجب أن تؤخذ بمنتهى الجدية!
المساحة تضيق عن مجرد الإشارة إلى ما يتضمنه هذا الكتاب المهم، لكنه يكتسب قيمته من أنه يخاطب المواطن العربي من زاوية صحيحة ومطلوبة. حقائق صادمة، لكنها تهبنا دلالات نستطيع أن نتعرف – من خلالها – إلى صورة المستقبل، كما يرسم قادة إسرائيل ملامحها، بحيث تتجه كل الجهود لمنع تحقق الدعاوى الكاذبة والأساطير، بداية من الحكومات، وانتهاء بالمواطن العادى.
الكتاب – فى المحصلة النهائية – يجيب عن السؤال الذي ربما ألقاه البعض ببساطة: ما شأن المواطن المصري بأحداث خارج الحدود؟
الإجابة التى يحملها كم المعلومات المذهل، أن المخططات الصهيونية لا تقتصر على بلد عربي واحد. إن شاغل أطماعها التوسعية هو الأرض العربية في امتدادات آفاقها، ولعلنا نذكر مقولة موشىي ديان: إن حدود إسرائيل هي آخر نقطة يصل إليها الجندي الإسرائيلي.
هذا الكتاب ناقوس إنذار يؤطر الحقائق، ويوثقها، ويضع النقاط على الحروف.
فهل نتنبه؟!
*














