هناك الكثير من الأمثلة التي نرددها بعفوية خلال أحاديثنا ومجاملاتنا الاجتماعية، علي الرغم من أن مضمونها يخلو من أي حكمة، ويعبر عن فكر في غاية القسوة والأنانية والغلظة، وضد العقل والدين، وضد كل الثقافات الإنسانية، من بين هذة الأمثلة الشعبية (إن جالك الطوفان حط إبنك تحت رجليك)، الذي يحث الآباء والأمهات على إنقاذ أنفسهم بأي وسيلة كانت حتى لو بالتخلي عن أبناءهم، وهم يتعرضون للموت أو لأي خطر داهم، ولكن هناك بعض المواقف المشرقة، التي تكذب هذا المثل الرديء، من بينها ما جسدته إحدي الأمهات عندما ضربت أروع الأمثلة في التضحية والفداء من أجل إنقاذ طفلتيها، بوضعهما فوق رأسها وليست تحت قدميها، وألقت بهما واحدة تلو الأخري خارج (الميكروباص) الذي سقط فجأة في ترعة (الإبراهيمية) أثناء وقوفه بـ(موقف) المدينة وأثناء تحميله بالركاب، لتبتلعه مياهها بمن فيه في لمح البصر، أو في أقل من لمح البصر، وأصبح ركابه تحت الماء يصارعون الموت، وقعت هذه الكارثة المأساوية عصر يوم الأحد الفائت ٨ / ١٢ /٢٠٢٤م بمدينة ديروط، الشهيرة بـ (حادث ميكروباص ديروط)، والتي لا زالت تؤثر بشكل عميق في نفوس أهاليها، ولا يمكن أن تُمحى من ذاكرتهم إلى الأبد، وستبقي في سفر تاريخ مدينتهم، وشاخصة في جسورها وشوارعها وأزقتها، كان من بين الضحايا فتاة لم يمضي علي فرحة أسرتها بتعينها معيدة بجامعة أسيوط سوي أشهر معدودة لتتحول الفرحة إلي أحزان، وتلك السيدة العظيمة وإبنتيها الطفلتين عندما إنزلق الميكروباص للخلف وسقط في الترعة فقامت في ثوان بإلقاء طفلتيها من نافذة السيارة، وقد إمتلكت من الشجاعة والقوة أضعاف ما يملك الرجال، علي الرغم من الموت المحاصر، ولما لم يسعفها القدر بالقفز قضت نحبها غرقا، وسط اندهاش وذهول الحشود البشرية التي توقفت قلوبهم، وتحجرت دموعهم أمام إستغاثتها وصراخها، هذه السيدة العظيمة نسيت نفسها وضحت بروحها، وفقدت حياتها غرقا، مع أخرين مجهولين مازالوا تحت الماء حتي كتابة هذه السطور!
أسأل الله الرحمه والمغفره لهن ولكل من توفي في هذا الحادث الأليم ومهما تناولنا أسبابه، ألا أن مشهد الأم الشهيدة سيبقى عصيٌّ على التخيل، وفوق تصورات العقل البشري، مشهد مهما تناولته الألسنة وكتبت الأقلام عنه فلن تفيه حقه، لما يحتوي علي سيل جارف من التضحية والفداء، ونهر متدفق من الأمومة والعطاء، وقِبلة كل أم وقدوة كل فتاة، للإقتياد بها والسير على خطاها، بإعتبارها مثالاً في العطاء والتضحية والفداء، في زمن لم يعد به من حدّ ولا من حرمة لشيء لا لإنسانية، ولأخلاقية أو دينية، وبات كل شيء مباح !
صحيح، لم تقع الكارثة بسبب السرعة الزائدة، أو إصطدام السيارة بسيارة أخري أو بأي مقابل، ولم تسل دماء الركاب فوق الأسفلت كالعادة، لكن العجيب أن الميكروباص كان يقف داخل (موقف المدينة) موقف أقامه الأغبياء على شاطيء ترعة الإبراهيمية، دون حواجز أو أسوار حماية، مما بعث الحادث المفجع في أرواحنا شحنة ألمٍ ممزوجة بأسئلة تبحث عن إجابة، تري من المسئول عما حدث هل هو السائق الذي لم يهتم برفع ( فرامل اليد)، وقيامه بركن سيارته علي شفا جرف هار من شاطئ الترعة الإبراهيمية التي تعد من أطول وأعمق ترع العالم ؟!
أم نتيجة فساد وتراخي وإهمال المسئولين بمدينة ديروط وان ما كانوا يطلقوه من نعرات وتصريحات لخدمة المواطن الديروطي إنما هي بالونات تفننوا في نفخها؟!
بالتأكيد ما حدث وما سيحدث في الأيام أو الشهور او السنين القادمة سيكون متشابه تماما بتلك الفاجعة، لأن القاعدة الأساسية في البناء الإجتماعي والفكر العقيم للمسئولين.
أرجو ألا يمر هذا الحادث المؤلم والموجع لقلوب أهالي المدينة مرور الكرام دون تحقيق الجهات المعنية ومعاقبة المتسببين في وقوعه.
يوسف القاضي
مدير مدرسة ديروط الثانوية الصناعية بنين سابقا وحاليا بالمعاش














