ويتواصل اللقاء مع المعين الصافي لإبداعات وإطلالات أدباء ومواهب أرض الكنانة..
وعبر السطور التالية تنشر بوابة الجمهورية والمساء إطلالة الأديب أحمد رفاعي آدم عبر قصته “علبة سجائر”، ضمن سلسلته “قصة وعبرة”.
🍂
علبة سجائر
القصة
(١)
بدأت الحكاية بمشهدٍ لم يكن مخططاً له على الإطلاق. كان يوم خميس وما أدراك ما يوم الخميس عند الصغار والكبار. إنه يوم المرح واللعب والسهر وروح المغامرة المتحررة من كل رقيب، فهو اليوم الذي يسبق عطلة نهاية الأسبوع، أي الاستراحة من المدرسة والواجبات والتكاليف المدرسية التي لا تنتهي.
ونفسُ الطفل تشتهي بصدق وأفعالُه صورةٌ حيَّةٌ لذلك الاشتهاء، وكذلك كانت حال الأصدقاء الثلاثة، أبناء نفس القرية ونفس الحارة ونفس المدرسة: حسني وفتوح وأشرف.
عاد ثلاثتهم من المدرسة ذلك اليوم وقت الظهرية فقد كانت مدرستهم تعمل بنظام الفترتين؛ صباحية ومسائية، وذلك معناه أن اليوم الدراسي ينتهي في الثانية عشرة ظهراً بالضبط، أي نهار طويل ولعب كثير وفراغ بحجم الدنيا كلها..
في الطريق إلى البيت تَعَوَّدَ الأصدقاء الثلاثة أن يلهوا ويتصايحوا ويطارد أحدُهم الآخر، لدرجة أن فتوح وأشرف حملا حسني يوماً وألقياه فوق كلب نائم في ظل شجرة صفصاف ولولا ستر المولى لكان نهش جسده بمخالبه الحادة، لكنه اكتفى يومها بعضّ قدمه داخل الحذاء!. هكذا كان مزاحهم وهكذا كان جموحهم وشغفهم في تجربة كل جديد وغريب.
لا حدود للمغامرة ولا تردد في التجربة.. وليس ذلك بمُستَغرَب عن أطفال القرية.
ولإن مدرسة “شِق الرملة الابتدائية” (هكذا كان اسمها ولا تسأل عن السبب!) تقع في النجع المجاور كان لِزاماً على الأصدقاء الثلاثة أن يقطعوا طريقاً طويلاً وسط الحقول والقنوات. والحق يُقال أن الطريق -رغم طولها- كانت ممتعة ومليئة بألوان المغريات..
خذ عندك مثلاً بستان الحاج محمد أبوذكري المملوء بأشجار البرتقال واليوسفي والتين البرشومي والعنب الأحمر والأبيض وغيرها من صنوف الشجر المثمر، وعلى الرغم من كونه محاطاً بسور طيني عالٍ ومحروساً بثلاثة كلاب بوليسية (أكيد كلاب بلدي لكن في ذلك الزمان كان الناس في الريف يُسَمّون كل كلاب الحراسة بوليسية).. ناهيك عن أن نومة الحاج أبو ذكري نفسه كانت دائماً فوق دكة كبيرة في ظل شجرة جميز أمام مدخل البستان ذاته، إلا أن ذلك كله لم يمنع الفتيان الثلاثة من اقتحامه أكثر من مرة، ليس بغرض السرقة بقدر ما كان الأمر للمتعة والمغامرة.
لقد كان الطريق مسلياً وفيه من فرص الشقاوة والعفرتة ما لم يُتَح للصبية في غيره من الأماكن. ولذلك قطعاً لم يتردد أيٌ منهم لحظةً واحدةً في خوض تلك المغامرة أو بالأحرى المخاطرة والتي لم تكن نتيجتها محمودة ولم تكن عاقبتها خيراً. فماذا حدث؟!
كان الصبية في طريقهم إلى البيت من المدرسة ولدى وصولهم حدود غيطان “السِدَّرية” قال فتوح:
– سأمر بأبي في الغيط لأنظر إن كان يريد شيئا من البيت أحضره له، فهلا انتظرتماني عند الساقية؟
قال أشرف ببساطة:
– بل نذهب معك ونسلم على عم خلف.
ووافقه حسني، فانحرف الثلاثة جهة غيط مليء بالترمس الأخضر فإذا برائحة الزرع الرائعة تلفح أنوفهم فينتعشون. وقرب نهاية الغيط من الطرف الثاني عثروا على عم خلف جالساً في كلسونه الأبيض وصديريه المُقَلَّم مشمراً عن أكمامه على حافة قناة صغيرة تنساب بهدوء أسفل صف من النخيل وبصحبته زميلٌ له كانا يدخنان الجوزة “الشيشة” ويشربان الشاي.
يبدو أنهما كانا في استراحة من العمل. حيا فتوح والده ورفيقه وتجاذب معهما أطراف الحديث بينما وقف حسني وأشرف على مقربة فوق “البطَّال” (وهو الحد الفاصل بين الغيطان) وهما ينتظران.
ولما أنهى فتوح اللقاء وعلِمَ من أبيه ما يريد انصرف رفقة زميليه مكملين مشوارهم إلى البيت، وبينما هم في الطريق عائدين قال حسني بمكر:
– هل رأيتما منظر الجوزة وجمال رائحة دخانها؟
فقال أشرف:
– يا حبيبي هذه رائحة الترمس المزروع.
فضحك حسني وهو يقول:
– طول عمرك عبيط .. إنها رائحة دخان الجوزة وإن شئت اسأل فتوح!
فقال فتوح:
– الرائحة لا تهم .. المهم هو الطعم.
فابتدره حسني قائلًا:
– وهل جربتها؟
أجاب فتوح متفاخراً (وهو كاذب):
– طبعا يا ابني. وهل أنا صغير مثلكما؟.
وكأن جملته سلبت الصبيين الآخرين ما بهما من عقل وكانوا قد بلغوا الساقية وعندها مجلس جميل، فألقوا حقائبهم على الأرض وجلسوا، وجعل حسني وأشرف يسألان صديقهما ويستفسران منه عن كل شيء فإذا بحسني – ذلك العفريت الصغير- يقترح عليهما أن يجربوا تدخين أعواد البوص.
وكان من عادة أطفال القرية لا سيما الكبار منهم أن يشعلوا أعواد البوص الجافة بعد تقشيرها ويدخنوها فيكون لها دخان أبيض كثيف مثير، وسادت لحظة صمت تبادل الزملاء فيها نظرات الرهبة والفضول والشيطنة قبل أن ينهضوا فيلتقط كل واحد منهم عوداً ويقشره ثم تسلل فتوح إلى حيث كان يجلس أبوه وبخفة يد يُحسد عليها اقتنص أعواد الثقاب وعاد إلى زميليه وتباشير النصر تـحُفُه وكانت تلك بداية الكارثة.
(٢)
خلال أيام قليلة تطور الأمر وانغمس الشياطين الثلاثة في التجربة الجديدة بنَهَمِ السُذَّج والمحرومين، ولإن لكل رغبة حد، فما عتَّم أن بلغوا النهاية، وغمرتهم رغبةٌ جامحةٌ في كسر حاجز الخوف والتخطي للمرحلة التالية. وفي ساعة ظهرية ساكنة حين القيالة تُنزل على الطرقات والحارات والبيوت سكونًا وصمتاً رهيبين، فتخلو الشوارع من الناس والبهائم والهوام، وتستلقي الكلاب في ظلال الجدران والنخيل مغمضة العيون فاغرة الأفواه متدلية الألسنة في كسلٍ لذيذ، ولا تكاد تلمح حركةً غير دوامات الهواء الساخن تبعثر الأتربة بين لحظة وأخرى، اجتمع الرفاق على شاطئ “الترعة المُرة” ولسوء حظهم صَحِبَهُم جارٌ لهم رابع يكبرهم بعامين، وإذا اجتمع الشباب والفراغ والجموح فقل يا لطيف. ذلك أنهم ما كادوا يخلون بأنفسهم في تلك البقعة المثيرة خارج حدود العمران حتى طاف بخواطرهم طائفُ المغامرة وتجاذبوا الحديث حول تجربة الدخان وكيف أنهم يطمحون لرفع مستوى التحدي، فما كان من بكر -صاحبهم الرابع- إلا أنه اقترح شراء علبة سجائر، وقد وقع الاقتراح عليهم في البداية وقع الصاعقة التي زلزلت كيانهم وقلبت أمعاءهم وسرَّعت نبضات قلوبهم، ولكن سرعان ما تحولت تلك المشاعر المغلفة بالرهبة إلى لذة حلوة بطعم الغموض الحريف. وبعد جدال قصير استقر الرأي على شراء علبة سجائر “بلمونت” ولما تساءل الصبية عن سبب اختيار ذلك النوع بالذات أجاب بكر بنبرة الخبير:
– يا كتكوت، البلمونت سيجارة طويلة ولا تنتهي بسرعة.
فتبادل الأصدقاء الثلاثة نظرات الإعجاب والانبهار وقد لمعت عيونهم الصغيرة كحبات العنب.
وواجهتهم أول مشكلة .. من أين لهم ثمن علبة سجائر كاملة؟ جلسوا متحيرين يرمق أحدهم الآخرين في توجسٍ ولسان حاله يقول (إلا أنا!!) وأخيراً نطق بكر وقال:
– الصاحب الجدع يظهر في الأوقات الصعبة.
وتمهل قليلاً ليضفي على كلامه بعض الإثارة ثم أردف قائلاً بمكرٍ:
– فانظروا من يكون أجدع واحد فيكم؟
وتلاقت عيون الأصدقاء الثلاثة وبان التحدي يلتمع في الأحداق قبل أن يهتف حسني بغرور:
– هذا الموضوع عندي .. ثمن علبة السجائر علي .. الأصحاب لبعضهم.
وتهلل وجه بكر الذي صاح وهو يضرب بيده على ظهر حسني:
– طبعاً يا سيدي .. أنت أبوك في الكويت..
وضحك بمكرٍ وتبعه الرفاق فجلجلت ضحكاتهم على شاطئ الترعة، وازداد المسكين حسني غروراً.
ولم تمر ساعة إلا وكانت علبة سجائر “البلمونت” بحوزتهم، ولا تسأل عن الطريقة التي تَحَصَّلَ بها ذلك العفريت على النقود فالجواب سهل (سرقها من أمه). الآن برزت أمامهم المشكلة الثانية “أين ندخن السجائر؟” كانوا في حاجة لمكان معزول لا يراهم فيه أحد وإلا تكون مصيبة بجلاجل. وبعد طول تفكير وقع اختيارُهم على مكانٍ ما كان ليخطر حتى ببال أبليس نفسه. لقد اتفقوا على اللقاء في “ميضة جامع الشيخ صبيح” (والميضة هو مكان الوضوء في المسجد)، وكان لجامع الشيخ صبيح ميضة متصلة بجانبه وكان لها حائطٌ منخفض يسهل على أطفال القرية تسلقه، واتفق الصبية الأربعة -وخامسهم الشيطان- على أن يلتقوا عقب كل صلاة وبالتحديد بعد غلق المسجد بربع ساعة ليدخن كل واحد منهم سيجارة كاملة. يا له من تفكير شيطاني. حقاً ما أذكى الطفل المصري!!
التقوا بالفعل بعد صلاة العصر، العجيب أنهم صلوا العصر في الجامع ثم غادروا مع من غادر ليرجعوا بعد إغلاقه بربع ساعة، ولم يجدوا صعوبة في تسلق حائط الميضة. تفكير عصابات بعيد عنك! وكان اللقاء مليئاً بالمشاعر المتدافعة، خليط مجنون من الإثارة والرهبة والقلق والخوف والجموح والرغبة المحمومة في التجربة، وسرعان ما انتهت المغامرة، كيف لا وهم ينفخون الدخان لا أكثر. خمس دقائق كانت كافية للانتهاء من تدخين أول سيجارة مرَّتْ عليهم كأنها ساعة كاملة لِما اجتمع في قلوبهم الصغيرة من خوف وقلق، ماذا لو عُثِرَ عليهم متلبسين بجريمتهم؟ قطعاً دار ذلك السؤال في رؤوسهم جميعاً وإن لم ينطق به أيٌ منهم.
الآن واجهتهم المشكلة الثالثة وقد كانت الأكبر! “أين نُخَبئ علبة السجائر لحين اللقاء القادم؟” ولم يَطُل بهم التفكير إذ سرعان ما اتفقوا على أن تبيت كل ليلة في بيت واحدٍ منهم حتى لا ينكشف السر. فكرة جهنمية ..
(3)
وقع الاختيار على أشرف (ابن الأستاذ رفعت الذي يُدَرّسهم في المدرسة) لتبيت علبة السجائر عنده الليلة الأولى، ورغم خطورة الموقف إلا أنه أبدى شجاعةً يُحسَد عليها، فقد تطوع بنفسه، بل وحمل علبة السجائر في جيبه دون أن يحاول أن يواريها في طيات ملابسه، ربما أراد أن يُثبت لهم مدى جدارته بصحبتهم في تلك المغامرة المجنونة. عاد أشرف إلى بيته متوتراً وزاد توتره لدى ولوجه من بوابة البيت، كان بيتهم كبيراً كباقي بيوت القرية، مكون من طابقين، الأرضي منهما يحوي في آخره حديقة لا بأس بها، فكر أشرف في البداية أن يخبئها في حفرة بجوار شجرة التين، لكنه عدَلَ عن الفكرة خشية أن تنالها رطوبة الأرض بسوء، ثم فكر في أن يضعها داخل قُنِّ الحمام ولكن مجرد تخيله رائحتها في اليوم التالي جعله ينكر الفكرة تماماً، لم يكن يريد أن تصبح علبة السجائر ذات نكهة بروث الحمام! أخيراً جاءته فكرة معجونة بمياة العفاريت!!! لماذا لا يختبئ داخل البوكس؟!!! أبوه مدخِّن .. والسجائر شيء طبيعي في بيته .. لماذا إذن لا يُخبئها في حجرة والده؟ فوق مكتبه أو في دولاب ملابسه مثلاً؟ فإن بقيت مكانها حتى الغد فاز وربِح وإن عُثِر عليها لم تكن مشكلة ويا دار ما دخلك شر! مصمص شفتيه وهو يهز رأسه في غرور وغمغم “يا سلام على مخك يا وااد يا أشرف”! ونفَّذ أشرف خطته بإحكام، ولكن لم تأتي الرياح بما تشتهي سفينته!
في المساء اجتمعت الأسرة على طبلية العشاء، وبعدما أنهى الأستاذ رفعت طعامه نهض ومضى من فوره إلى الكنبة العتيقة القابعة أمام التليفزيون ليتابع نشرة أخبار التاسعة كعادته. فنهضت أم أشرف بعده وغابت في المطبخ قليلاً ثم عادت بعلبة سجائر “بلمونت” وقدمتها لزوجها وهي تقول:
– خذ يا أبا أشرف هذه العلبة لك، وجدتُها في الدولاب..
وبُهِت الأستاذ بما سمع وصمت طويلاً وهو يطالع علبة السجائر التي استقرَّتْ في يده، وتعجبتْ زوجته من صمته الثقيل فعادت تقول:
– يوه .. ما لك يا أخويا كفى الله الشر؟ .. هل أنت بخير؟
ولكنه لم يعلِّق بل غاص في صمته أكثر. أخيراً تنحنح ثم قال بهدوءٍ مخيف:
– أين أشرف؟!.
(4)
لستم في حاجة لأخبركم بما حدث .. فأنتم أذكياء كفاية لتفهموا أن العفريت الصغير قد فُضِح أمره، ونال علقةً ساخنةً يتذكرها حتى اليوم وقد بلغ من العمر أربعين خريفاً. لقد ضربه أبوه ولولا ستر المولى لربما فتك به، ولكن لحسن حظه صادفت “العلقة” مَقْدِم خاله الذي تدخل بسرعة وجعل يُهدئ الأب ولم يمانع من صفع ابن أخته أمام أبيه ليؤكد له أن الشيطان الصغير قد نال جزاءه!
وما أن أذِن له أبوه بالانصراف حتى انطلق إلى غرفته والدمع يُبلل خديه. ارتمى أشرف على سريره والسؤال المُحير يكاد يفجر رأسه: “كيف عرِف أبوه أن علبة السجائر تخصه؟”
لقد كان الصغير غبياً .. أبوه يدخِّنُ السجائر فعلاً ولكن ليس “البلمونت!!!!” بل سجائر “كليوباترا”!!
من الجيد أن تعلم أن العقاب نال الآخرين أيضاً .. لقد كان الأستاذ رفعت يدرسهم في نفس الفصل، وبقي يسخر منهم طوال العام الدراسي دون ان يفهم غيرهم ما يرمي إليه بكلماته التي كانت تنزل على أجسادهم كالسهام!! حتى أنهم لا يزالون إلى اليوم يتذكرونها!! ومن يومها لم تدخل السجائر أفواه ثلاثتهم أبداً!.
-تمت-
العِبرة
حياةُ الإنسان شبكةٌ من العلاقات المتشعبة، فيها الأسرة والجيران وزملاء الدراسة والأصحاب وغيرهم من الأفراد الذين يحيطون بنا ولا مفر من التعامل معهم. ومن أبرز مكونات تلك الشبكة الاجتماعية وربما من أهمها “الأصدقاء”. لماذا؟ لأسباب كثيرة تلخصها عبارة: (الصاحب ساحب)! نعم .. إن الصاحب ساحب، ولذلك حُسن اختيار الأصدقاء مهمة شاقة وخطيرة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الزموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم.) فأولادنا هم ثمرات حياتنا، وفلذات أكبادنا، وزينتنا، وعدتنا، وورثة ديارنا وأموالنا وأسمائنا، وذكرانا من بعدنا. أولادنا هم أعز الأمانات لدينا وأغلاها، وأجدرها بأن نحفظها ونرعاها. ولإن الحياة لا تستقيم ولا تكمل صورتها الطبيعية دون أصدقاء أوفياء ورفقاء نصحبهم في رحلتها الطويلة، فإن على الآباء واجبٌ لا يُستهان به في مراقبة أبنائهم وانتقاء أصدقائهم ونصحهم بمن يصحبون ومن يفارقون. وليست هذه بدكتاتورية أو انغلاق -كما يحلو لدعاة الفكر الغربي أن يسموها- بل هي قمة الرعاية ورونق التأديب الذي وصَّى به النبي صلى الله عليه وسلم. من واجبنا أن نُعَلِّمَ أبناءنا كل خير ونوجههم إلى ما فيه الصالح فإن الحياة سباق طويل لا يتقدم فيه إلا من يعرف ربه ويذكر حقه، ويشكر نعمه، ومن يجعل من تواصل السنين تواصل دأب ونصب لإحراز الراحة الكبرى.
وهذه القصة التي أعرف أبطالها معرفةً وثيقة وأعلم من حالهم الكثير مليئة بالدروس والعبر، وأولها ضرورة انتقاء الأصدقاء لإننا نلتصق بهم ونقضي معظم الوقت معهم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. علموا أبناءكم أن الصاحب ساحب، وأن شخصية الإنسان تتأثر بشكل كبير بأصدقائه وزملائه، انظر كيف تأثر الأطفال الثلاثة ببعضهم وتأثروا أكثر بشخصية (بكر) الذي كان يكبرهم وقد وجدوا فيه القائد والناصح والقدوة الذي لا يخيب. فلا تتركوا أطفالكم وصبيانكم وبناتكم لأهواء غيرهم من الأصحاب فليس كل ما يعلمونهم صحيح وليس كل ما يدفعونهم إليه خير.
والدرس الثاني كان في رد فعل الأب، فليس كل الأخطاء هينة، بل إن منها ما يحتاج إلى التوقف معه بشدة واستخدام أغلظ العقوبات لا سيما إذا كان التهاون يؤدي إلى فساد خُلُق أو سوء أدب أو إنهيار شخصية. بعض أخطاء أبنائنا تحتاج لعقاب شديد يكون بمثابة زاجر لهم يمنعهم من ارتكابه مرةً ثانيةً وإلا ندمنا على تهاوننا بقية عمرنا. كيف لا وإني أعلم أن واحداً منهم لم يجرؤ على وضع سيجارة في فمه منذ تلك الواقعة لمجرد أن العقاب كان قاسٍ ورد فعل الأب كان حازماً. طبقوا ذلك على كل ما يمكن أن يكون مدعاة لفساد أخلاق الأبناء خصوصًا في زمانٍ أصبح خطر الإدمان والمخدرات والإنحراف فيه يهدد كل شاب وكل فتاة.
وأخيراً وليس آخراً راقبوا أبناءكم جيداً، فإن الرقابة الصارمة في أيامنا هذه واجبة واجبة، وليس لمنطق (الثقة) دخلٌ هنا، فكلاهما لا يتعارض مع الآخر، فأنا أثق جداً في ابني وفي بنتي ولكنني لا أثق كثيراً في الآخرين، راقبوا أبناءكم واعرفوا أين يذهبون ومع من يتسكعون ويسهرون. ابنوا جسوراً قويةً مع أبنائكم وكونوا لهم نِعم الأصدقاء تصبح قلوبهم كتباً مفتوحةً لكم فتأمنوا عليهم شر الزمان وشرور الخلق. كونوا لأبنائكم الأذُنَ التي تسمع والقلبَ الذي يعطف ويرحم والعقلَ الذي يفكر ويساعد في التخطيط، تكسبونهم إلى الأبد.ٌ
حفظ الله أبناءنا وأبناءكم ووفقنا لحُسن تربيتهم.














