في إطار سلسلة أبحاثه الثرية في مختلف القضايا الفلسفية وعلاقاتها بمستجدات العصر صدر مؤخرا دراسة جديدة للدكتور صلاح عثمان أستاذ المنطق وفلسفة العلم ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة المنوفية تحت عنوان : الإله والآلة” جدلية العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والدين.
ناقش من خلالها حدود العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والدين انطلاقا من فرض رئيس مؤداه أننا إذا كنا قد احتفظنا خلال الحقبة الحديثة والمعاصرة بكلٍ من العلم والدين في خطين منفصلين لا يتقاطعان إلا نادرا، حيث ظلت المعتقدات الدينية مؤثرةً ومتجذرة في نفوس الناس رغم تحدي الاكتشافات العلمية من حينٍ إلى آخر، فإن ما يحمله الذكاء الاصطناعي من فرصٍ وتحديات حاضرة ومستقبلية من شأنه أن يُغير أنماط تفاعلاتنا الإيمانية والروحانية، لا بمعنى أنه سيكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير فأفضت إلى الفوضى والعبث، وإنما من خلال ثلاثة احتمالات يُمكن إيجازها على النحو التالي:
ـ الاحتمال الأول: أن الذكاء الاصطناعي سيُعزز الأديان بدلاً من هدمها؛ وهذا ينطبق على الخدمات الدينية الرقمية وأماكن العبادة، كما قد يتجلى في تدشين شخصيات دينية افتراضية يمكن للناس التحدث معها والتعلم منها، وكذلك في تعليم الروبوتات النصوص المقدسة وترجمتها، وتقديم التوجيه الديني للناس من خلالها بشكل مستمر على مدار اليوم. ورغم جاذبية هذا الاحتمال، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر جمة؛ منها إمكانية التضليل وتحريف النصوص، وإنشاء صور مزيفة واستنساخ أصوات معروفة بهدف تشويه الرموز الدينية. وبالمثل، يمكن لنماذج اللغة المدربة على وجهات نظر متطرفة أن تؤدي إلى مخرجات لبث السم ضد مجموعات دينية معينة، مما يؤدي إلى جرائم الكراهية والتوترات المجتمعية.
ـ الاحتمال الثاني: أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى هدم الأديان والقضاء عليها؛ بمعنى صعود الإلحاد ونقض عُرى الأديان بحيث تغدو عتيقة، ففي عالم تغشاه العولمة، والتقدم العلمي المتسارع، والتدفق الهائل للمعلومات، من المحتمل بقوة أن ينفض الناس عن الدين، وأن تتراجع حاجاتهم الإيمانية والروحانية ثقةً بما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إجابات وإمكانات وتقنيات ترفع راية الانتصار النهائي والحاسم للعلم!
ـ الاحتمال الثالث: أن يُصبح الذكاء الاصطناعي في حد ذاته دينا؛ حيث يؤدي جدل القضية ونقيضها إلى المركب منهما، أعني أن يتحول الذكاء الاصطناعي – إذا ما بلغ مستوى الذكاء الفائق – إلى إلهٍ يُعبد من دون الله، أو بالأحرى إلى صنم جديد يدعو له المفتتنون به، ويعتقدون بكتابه المقدس الخاص.
ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد أن البشر سيؤدون دور الإله، في الوقت الذي يخلقون فيه إلها بإيديهم، أو على الأقل شيئا شبيها بذلك!
الدراسة نشرتها مؤخرا “مؤسسة مؤمنون بلا حدود”














