»»
ومع النفحات الروحية العطره لشهر رمضان المبارك يفوح شذا عطر الإيمان وتحلو الذكريات الجميلة لشهر الصوم .. وعبر بوابة الجمهورية أون لاين عبر نافذة “المساء” يتجدد اللقاء كل يوم مع رمز من رموز أبناء مصرنا الغالية من العلماء والمفكرين والأدباء والإعلاميين وأساتذة الجامعات.
🌄
قمر مضيء في سماء العمر
بقلم ✍️ د.سحر سالم (مدير عام اذاعة القناة)
يهلُّ رمضان كقمرٍ مضيءٍ في سماء العمر، حاملاً معه نفحات الإيمان، وعبق الذكريات التي لا تُمحى. ليس مجرد شهرٍ نُمسك فيه عن الطعام والشراب، بل موسمٌ يزهر فيه القلب بالطمأنينة، وتورق الروح بالسكينة. كلما أقبل، تفتحت في الذاكرة أبواب الحنين، وعادت بي الأيام إلى طفولتي، حين كنت أنتظر قدومه بشوقٍ.
كم كانت ساحرة تلك الليالي! الشوارع تتلألأ بأضواء الفوانيس، والمساجد تحتضن المصلين، وبيت العائلة يفيض دفئا ومحبة. أذكر كيف عدنا ذات عامٍ من الجزائر، حيث كان يعمل والدي، واقترب رمضان، فإذا بي أسمع أصوات الأطفال تغني، يحملون الفوانيس ويطوفون بين البيوت مرددين: ” حالو يا حالو… إدونا العادة.”.. كنت أتساءل: ماذا تعني هذه الكلمات؟ وحين أدركت أنها طقسٌ رمضانيٌ مصريٌ أصيل، عشقت الفوانيس، وصارت رفيقتي في كل رمضان، حتى أن بيتي اليوم يزدان بها بكل الأحجام والألوان، وكأنني أحتفظ بقطعة من سحر الطفولة في كل زاوية.
أما ليالي رمضان، فهي قصصٌ أخرى من الصفاء والسمو. بعد صلاة التراويح، كنت ألجأ إلى مصحفي، أتنقل بين آياته. لم تكن مجرد تلاوة، بل رحلةً في أعماق المعاني، حيث تهدأ النفس، ويتناغم القلب مع كلمات الله التي تضيء الدروب. وكم كنت أحرص على ختم القرآن أكثر من مرة.
وما أروع لمة العيلة في رمضان! كان الإفطار موعدًا للبهجة، حيث تجتمع الوجوه التي نحبها، ونشعر أن للحياة طعمًا مختلفًا. تتعانق الأحاديث، وتتراقص الضحكات، وتتألق المائدة بأطباق رمضان المميزة، من الخشاف الحلو إلى الكنافة الذهبية، والقطايف المحشوة بالمكسرات، والبسبوسة بالبندق التي أعشقها. لم يكن الأمر مقتصرًا على الأهل، بل كانت البيوت تفتح أبوابها للجيران والأصدقاء، وكأن القلوب في رمضان تصبح أكثر اتساعًا للحب.
ومن ذكرياتي التي لا أنساها، في السنة الأخيرة من دراستي في كلية الإعلام جامعة القاهرة، تزامنت امتحاناتى مع أولى أيام شهر رمضان، الذي جاء في شهور الصيف الحارة، كانت امتحاناتى تبدأ الثالثة عصرا، وكنا نؤديها في مخيمات أعدت خصيصا لنا، والجو شديد الحرارة، فكان عليّ أن أخوض معركة الصيام والمذاكرة معًا، في كل سجدة كنت أدعو الله أن يمن عليّ بتقدير جيد جدا لأحصل على مرتبة الشرف عند تخرجي، وتحقق الحلم، وبالفعل تخرجت بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، وحصلت على المركز الثالث على الدفعة، وكأن رمضان اختبرني، ليهديني فرحة النجاح.
إلى مصر، وطننا وحبنا، التي يزداد سحرها في رمضان، وتتزين روحها بمآذن عامرة بالدعاء، وأصوات تتلو آيات الرحمن، ومدافع تعلن الإفطار في رمضان، تتجلى مصر في أبهى صورها، كما لو أن الزمن يمنحها ثوبًا من نور. ستبقين يا مصر، مهد الحضارات، وحاضنة الدفء، وموطن القلوب العامرة بالإيمان، عنوانا للمجد، وواحةً للأمان، على مر الزمان.














