بقلم ✍️ د. فراج خليل الصعيدي
(أستاذ الچيولوچيا،الباحث في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة)
»»
الحمد لله كما ينبغي له أن يُحمد، وصلاةً وسلامًا على نبيه أحمد، اللهم صلِّ عليه وعلى آله الشرفاء، وعلى إخوانه الأنبياء، وعلى أزواجه ذوات الطهر والنقاء، وعلى صحابته الأتقياء النجباء، وعلى مَن اهتدى بهديه وسار على نهجه إلى يوم اللقاء، أمَّا بعد:
فإنَّ المُعجزات العلميَّة في القرآن الكريم والسُّنة النبويَّة المُشرفة لا تُعد ولا تُحصى، ولقد بلغت الآيات الكريمة التي تحدَّثت عن مظاهر الكون والطبيعة والإنسان والحيوان والنبات ثُلث القرآن الكريم.
ودراسة «الإعجاز العلمي للكتابة والسنة»، بمثابة جمع وترتيب لبعض محطات الإعجاز العلمي، وقد تناولنا فيه بعضا ممَّا تفضَّل به أهل العلم والاختصاص في هذا المجال الرحب الفسيح من بيان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسُّنة النبوية المُطهرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
لقد كان العرب في وقت نزول القرآن لديهم حسٌّ فطري باللغة العربيَّة، ومَلَكة فهم معانيها وإدراك مقاصدها، أمَّا في عصرنا هذا، ومع تقادم الزمان وتسارع الأحداث والثورة الصناعيَّة والتكنولوجيَّة الهائلة، فأصبحت لغات العلم هي السائدة، وهي لغات غير عربيَّة، وسيطرت على العالم، ممَّا أدى إلى انبهار الأجيال الحديثة من العرب بتلك الحضارات وهذه اللغات، ممَّا أدَّى إلى تشويش الحس الفطري باللغة العربيَّة، وضعف مَلَكة فهم معانيها، وقلة إدراك مقاصدها، فأصبحت لغة العلم هي لغة العصر، وأصبح من اللازم ومن الضروري مُخاطبة النَّاس بلغة العلم والإعجاز العلمي في القرآن والسُّنة، أكثر من مُخاطبتهم بالإعجاز البياني واللغوي.
ومثال على ذلك ما رُوي عن أبي عبيدة، من أنَّ أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»، فخرَّ ساجدا، فقيل له: أصبأتَ واتبعتَ دين محمد؟ فقال: لا، ولكن أعجبني اللفظ فسجدتُ لفصاحته، وغير ذلك من الأمثلة الكثير.
من هذا يتضح لنا كيف أنَّ العرب في صدر الإسلام كان عندهم حسٌّ فطري باللغة العربيَّة وجمالها وروعتها، ومَلَكة فهم عمق معانيها، وإدراك بُعد مقاصدها، أمَّا في عصرنا الحديث فقد ضَعُف هذا الحس الفطري، وأصبحت لغة العلم هي اللغة الأقرب إلى أفهام النَّاس، لذا كان لزامًا بيان إعجاز القرآن الكريم والسُّنة النبوية المُشرفة من منظور لغة العصر، ألا وهي لغة العلم، من هنا جاءت فكرة هذه الدراسة.
وتبقى بعض الإشكاليات وهي:
الإشكالية الأولى: في مسألة الإعجاز العلمي – كمسلمين – دائمًا ننتظر اكتشافات علماء الغرب العلميّة، ثم بعد صدورها نهرول لنحاول إثبات أنها موجودة في القرآن والسُّنة، وأنَّ القرآن تحدَّث عنها، وأنَّ نبي الإسلام ذكرها قبل 1400 عام، وكان الأحرى والأجدر بنا كأمة أن تكون هذه العلوم وهذا السبق لدينا نحن، فهذه أمة تتلقى عن الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ تخلفنا، وهم أخذوا سبيل العلم وأسباب التَّقدُّم فسبقوا.
رُبَّما يقول قائل: هذا من باب «ليزداد الذين آمنوا إيمانًا»، نقول: نعم، هذا صحيح، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك دومًا من اكتشافات علماء الغرب والشرق، بل يجب أن يكون لنا كعلماء مسلمين إسهاماتنا في بيان إعجاز القرآن والسُّنة النبويَّة المُشرفة.
ومثال ذلك ما ذكرته في كثير من الحلقات التليفزيونية التي تحدَّثت فيها عن الإعجاز العلمي وضربتُ مثالين:
أولهما: أنَّ عدد كواكب المجموعة الشمسيَّة المعروفة إلى الآن 9، ونتحدى العالم بأنَّ عدد كواكب المجموعة الشمسيَّة لا بد أن يكون 12، وذلك تماشيًا مع الآية الكريمة: «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ» (يوسف: 4)، فيوسف عليه السلام رأى أحد عشر كوكبًا «إخوته» بالإضافة إلى نفسه، فيصبح العدد 12 كوكبًا.
ثانيهما: تحدي القرآن لكل علماء العالم أن يجدوا صوتًا أنكر من صوت الحمير، وذلك تماشيًا مع الآية الكريمة: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير»ِ) لقمان: 19).
وأضيف مثالا ثالثا: حينما ذكر الله تعالي بيت العنكبوت في الآية الكريمة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 41)، فذكر أن أوهن البيوت هو بيت العنكبوت، وهنا نتحدى أن يجد الباحثون في كل العالم بيتا أهون من بيت العنكبوت! مع ملاحظة أن هذا الكلام قاله رجل يعيش في صحراء قبل ألف وأربعمائة عام؛ صلى الله عليه وسلم.
هكذا يجب أن يكون السبق منا ابتداءً.
الإشكالية الثانية: إن هناك ممَّن يتناولون موضوع الإعجاز العلمي فيقع في خطأ – غير مقصود بالطبع – وهو أنه يُقرِّر أنَّ هذا الإعجاز أو ذاك هو حقيقة مُطلقة، وهذا خطأ، والصواب أن يقال: «احتمال أنَّ هذا الإعجاز يوافق الحقيقة»، فإذا ظهر مع تقدم العلم ما يُخالف ذلك، فالخطأ في التأويل وليس في القرآن ذاته – حاشاه – وذلك لأنه مع التَّقدُّم السريع في العلوم والتكنولوجيا، وكل يوم هناك جديد، تُصبح لغة الاحتمال هي الأقرب للصواب.
الإشكالية الثالثة: هي مُحاولة بعض مَن يتصدون للإعجاز العلمي – وبدون قصد – تجد التَّكلُّف والتَّعسُّف والمُبالغة في عرض النظرية العلمية وربطها بالقرآن أو السُّنة، بل ومُحاولة لَيّ ذراع العلم لتطويع تلك النظرية مع ما يتصورونه عن الفكرة التي يُريدون إبرازها، لتصويرها للناس على أنها حقيقة ثابتة.














