»» كل شيء جميل ومليئ بالبركة في الشهر المبارك
ومع النفحات الروحية العطره لشهر رمضان المبارك يفوح شذا عطر الإيمان وتحلو الذكريات الجميلة لشهر الصوم .. وعبر بوابة الجمهورية أون لاين عبر نافذة “المساء” يتجدد اللقاء كل يوم مع رمز من رموز أبناء مصرنا الغالية من العلماء والمفكرين والأدباء والإعلاميين وأساتذة الجامعات.
🌄
بقلم ✍️د. م. محمد سليم (استشاري الطاقة وعضو المجلس العربي للطاقة المستدامة)
»» لمة العيلة في “المقعد” .. وحكايات الجدات كانت تنسج خيوطا من الحكمة والأمل
في أيام زمان، حين كنا صغارا، كانت ليالي رمضان تحمل طعما خاصا لا يُنسى.. كنا نعيش تلك الأيام ببراءة وفرح، وكأن العالم كله يتوقف عند لحظات الإفطار وما يليها.
كنت أذكر جيدا كيف كنا نحمل أطباق الطعام، أنا وأخوتي الصغار متجهين إلى “المقعد” أو الديوان، حيث كان يجتمع الرجال من العائلة والجيران قبل موعد الإفطار بعشر دقائق.
كان الديوان مكانا بسيطا، لكنه كان يعج بالحياة والروحانيات في تلك الأوقات.
كل عائلة كانت تجلس حول “طبلية” صغيرة، وهي مائدة منخفضة توضع عليها أطباق الطعام..
كنا نتبادل الأطباق بيننا، كل عائلة تقدم ما لذ وطاب من طعامها: الأرز باللحم، الشوربة، السلطات، العصائر الطازجة، والتمر الذي لا يغيب عن مائدة رمضان.
الجميع ينتظر بفارغ الصبر لحظة الأذان، ولا يبدأ أحد في الأكل إلا بعد أن نسمع الشهادة في الأذان: “أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله”. كانت تلك اللحظة مليئة بالخشوع والروحانية، وكأن الوقت يتوقف لننعم ببركة الدعاء والذكر.
بعد الإفطار، كنا نجلس معا نتسامر ونتحدث عن كل شيء وكل شيء. كانت الأحاديث تدور حول الذكريات، القصص القديمة، والأحلام البسيطة التي كنا نحلم بها.
كانت تلك الأوقات مليئة بالخير والطمأنينة، وكأن العالم كله يتسع لنا في ذلك الديوان الصغير. كنا نشعر بالأمان في ظل وجود العائلة والأقارب، وكأننا في عالمنا الخاص الذي لا يعرف إلا الرحمة والمحبة.
قبل أن ننطلق إلى صلاة التراويح، كنا نستعد بقلوب عامرة بالإيمان والفرح.. كانت تلك الأيام، أيام الرحمة والرحمات، تترك في قلوبنا ذكريات لا تُنسى، ذكريات من زمن بسيط كان كل شيء فيه جميلا ومليئا بالبركة.
لكننا اليوم نشفق على أولادنا، لأنهم لم يعيشوا تلك اللحظات البسيطة التي ملأت قلوبنا بالأمان والفرح.
يعيش أولادنا في عالم مختلف، عالم تسيطر عليه التكنولوجيا والسرعة، حيث أصبحت الشاشات هي الرفيق الدائم، وحلَّت الرسائل النصية محل الأحاديث وجهًا لوجه.
لم يعرفوا كيف يكون الاجتماع حول مائدة واحدة، حيث يتبادل الجميع الضحكات والقصص، ويشعرون بأنهم جزء من نسيج عائلي دافئ. لم يعرفوا طعم الانتظار الجماعي لصوت الأذان، حيث تتوقف الحياة للحظات لتتحول إلى لحظة روحانية خالصة.
نشفق عليهم لأنهم يعيشون في عالم مليء بالضغوط والتحديات، عالم يفرض عليهم أن يكونوا دائما في سباق مع الوقت، دون أن يجدوا تلك المساحة الهادئة التي عشناها في طفولتنا.
لم يعرفوا كيف يكون الجلوس تحت ضوء القمر، أو سماع حكايات الجدات التراثية التي كانت تنسج خيوطا من الحكمة والأمل.
لكننا نحاول أن نمنحهم شيئًا من تلك الذكريات، أن نخلق لهم لحظات من الطمأنينة في وسط هذا العالم الصاخب. نحاول أن نجمعهم حول مائدة واحدة، أن نعلمهم قيمة الانتظار، قيمة الدعاء، وقيمة أن تكون مع من تحب في لحظات بسيطة لكنها ثمينة. نريد أن نزرع في قلوبهم شيئًا من تلك الروحانية، حتى وإن كانت الظروف مختلفة، حتى يعرفوا أن الحياة ليست فقط سرعة وتكنولوجيا، بل هي أيضًا لحظات هادئة تملأ القلب بالسلام.
وفي الختام، ندعو لمصرنا الحبيبة، بتاريخها العريق، وبشعبها الطيب، أن تظل دائما رمزا للأمن والأمان.
ونتمنى لأمتنا العربية والإسلامية أن تعيش في سلم وسلام ، وأن تظل قلوبنا عامرة بالإيمان والمحبة، كما كانت في أيام زمان. اللهم اجعل رمضان شهر خير وبركة على أمتنا، وارزقنا جميعًا الطمأنينة والأمان في ظل الأوضاع الصعبة التي نعيشها. آمين.














