بقلم ✍️ أ.د.عصام محمد عبد القادر
(أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة ـ جامعة الأزهر)
عطاءات التربية لا تنضب، وساحتها لا تخلو من مقومات التربية بالإلهام؛ فالجُعبة ممتلئة؛ حيث نستطيع أن نخرج ما لدى المُتعلِّم من خواطر إيجابية، وأفكار تتمخَّض عن انغماسه في بيئة مُحفِّزة، تُسهم في استدعاء المشاعر التي تُعزِّز الفكرة المُلْهِمة لديه بصورة وظيفية، وهنا نتحدث عن متلون الأنشطة التعليمية، التي تتضمن في طياتها شتَّى أنماط الفنون ومتنوعها؛ حينئذ نتوقع نمو العاطفة، بما يؤدي إلى صفاء الوجدان، ويتلوه توارد أفكار، نَصِفُهَا بالمُلْهِمة.
التربية بالإلهام مقصودة، ولا تقوم على العشوائية، وليست مَحض صدفة؛ فنحن بمقدورنا أن نضع المُتعلِّم في تفاعلات عديدة، سواءً أكانت علمية، أم مجتمعية، أم شخصية، أم تلبي احتياج لديه؛ حيث رعاية الاهتمام بصورة وظيفية، وهذا يوجِب علينا أن نُمعن النظر في كل ما يحرك عواطف، ومشاعر الفرد؛ كي نُحفز مكنون الإلهام لديه؛ فقد نرصد حالة انجذاب نحو الفنون، وقد نرى ميولا نحو الفلسفة والأدب، وقد نشاهد شغفًا نحو المجالات التطبيقية.
وفي هذا الإطار، لا نتجاهل ما تم الوقوف عليه من متنوع اهتمام، بل نضع من الأنشطة التعليمية، والإثرائية، والعلاجية، ما يُعزِّز الميول، ويفي بالاحتياج؛ ومن ثم نضمن تحفيز منابع الإلهام، وهنا نتحدث عن صورة يختص بها الفرد، وأخرى تخصُّ جماعات التعلُّم، بما يؤكد علينا ضرورة صياغة، وتصميم مهام الأنشطة التعليمية في صورتها الفردية والتشاركية؛ لنقابل، ونستوعب ماهيةَ الفروق الفردية، والاهتمامات المشتركة، في آن واحد.
والتربية بالإلهام، لا تنفكُّ عن تدريب المُتعلِّم على مراحل تعلُّم حلِّ المُشكلات، التي تَكمنُ في سياج قضايا تعليمية رصينة، وفق المجال الذي تنتمي إليه؛ ليستطيع أن يخلق مساحة حرة للتفكير، ويطلق العنان لتوارد أفكار ملهمة، في كل مرحلة يمرُّ بها أثناء انغماسه في القضية المطروحة عليه، في ضوء معطياتها، وهنا يصعب أن نتجاهل دور الاستراتيجية التي تسمح بفترة سبر الخيال؛ كي تتدفق الخواطر الإيجابية المنشودة.
واعتقد أن استثمار حالات التعثر، أو الإخفاق التعليمي، تعطينا بوابة أمل نحو إثارة الإلهام، وهذا قد يعارضه كثير ممن ينتمون للمجال التربوي في صورته الأولية؛ إذ يكمن المعتقد السائد في أنَّ الخطأ جرمٌ ينبغي التخلص منه؛ كي نضمن تعلمًا نظيفًا خاليًا من الشوائب، أو ما نطلق عليه أنماط الفهم الخطأ التي يجب تصويبها؛ لكني أرى أنَّها فرصة مواتية؛ كي يتأمل المتعلم الفجوة، ولا يحاول أن يحدَّ منها، أو يسدَّها فقط، بل ينبغي أن يغور في أعماقها؛ ليخرج لنا أطروحات نعمل على فحصها، ونساعده أن يجد طريقه تجاه الفكرة الملهمة، التي تخلِّصُه من رهاب الخطأ، وتصوبه بقناعة ورضا.
منظور المُتعلِّم تجاه ما يُقدَّم له من خبرات، يُعدُّ من مقومات التربية الإلهامية؛ فمساحة التفكير مُهمَّة للغاية، ولا ينبغي أن نقلل منها؛ ففيها يتوقف الفرد ليتأمل، ويستبصر، ويحاول أن يحفز ذهنه؛ ليخرج ما لديه من أفكار مُلهِمة، وبالطبع لا يخفى علينا الدور الفاعل للمعارف، التي نقدمها لمن نستهدف تعضيد أفكاره في صورتها الكلية؛ حيث إن تسلسها، وترابطها، وبساطتها، والتأكد من صحتها، يساعد في تشكيل بنى معرفية، تسهم في تعزيز طرح مزيد من الأفكار الملهمة.
وأودُّ الإشارة إلى أن مداخل التربية بالإلهام عديدةٌ؛ فهناك الأحداث الجارية، أو التاريخية، التي تستثير تفكُّر وتفكير المتعلم في مكنونها، وهناك أطروحات الثقافة، وما تشمله من فنون ترقق المشاعر، وتحدث لديه حالة من الانسجام الفكري، مع المعاني التي يتلقها من مكونها، وهناك القدوة والنموذج في المجال الذي نهتم به، وهناك الرصيد المعرفي وبوتقة الخبرات المهارية المصورة منها والتفاعلية، وهناك الخبرة الواقعية التي يمكن أن يعايشها هذا المتعلم؛ ومن ثَمَّ نجد أن الاختيارات متاحة، وما علينا إلا أنْ نصوب على الهدف بإصرار.
إن التربية بالإلهام لا تنفك عن حوار بسيط منظم، يخرج لنا مكنون ما يدور في الخلد، ولا يبعد عن بيئة منظمة، تعطي الفرصة للمشاركة، ولا يفارق محاولات تجاوز التحديات، والصعوبات، التي قد تواجه البيئة التعليمية، ولا تتجاهل آليات استثمار الطاقات الكامنة داخل فلذات الأكباد، سواءً في منغمر الساحة التربوية، أو خارج الأسوار؛ لذا فالجميعُ شريكٌ أصيلٌ في تعزيز التربية بالإلهام.. ودِّي ومحبتي لوطني وللجميع.














