بقلم ✍️ د.مها عبدالقادر
(أستاذ اصول التربية كلية التربية للبنات ـ جامعة الأزهر)
أكدت القمة العربية الطارئة مجددًا الدور الريادي لمصر في قيادة العمل العربي المشترك، حيث برزت القاهرة كركيزة أساسية في توحيد الصفوف، وتجديد التضامن العربي والالتزام الجمعي بنصرة القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة، وجاء انعقاد القمة في توقيت حرج وبالغ الحساسية، تزامنًا مع تصعيد خطير يهدد حقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن مصر بحكمتها الدبلوماسية ورؤيتها الاستراتيجية، استطاعت أن تجمع قادة العرب على موقف موحد، يعكس ثوابت الأمة في مواجهة التحديات التي تهدد فلسطين والمنطقة بأكملها، ويؤكد التزامها التاريخي بالدفاع عن الحق الفلسطيني.
ولم يقتصر الدور المصري على استضافة القمة وتنظيمها، بل امتد ليشمل دورًا محوريًا في بلورة مخرجات القمة وصياغة رؤية متكاملة لحل الأزمة، وطرح حلول عملية تتجاوز بيانات الإدانة والتنديد، لتصل إلى تحركات فعلية تجمع بين التحرك السياسي الفاعل والدعم الإنساني العاجل، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين.
كما عكست القمة قدرة مصر على إدارة المشهد العربي بحنكة، وتوجيه الجهود نحو قرارات مصيرية تضع حدًا لمحاولات فرض واقع جديد بالقوة وهو ما تجلّى في المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، وقيادة الجهود نحو تهدئة الأوضاع مع ضمان عدم التنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، كما لعبت مصر دورًا محوريًا في التنسيق مع القوى الدولية والإقليمية، لضمان دعم عربي موحد وموقف أكثر تأثيرا على الساحة العالمية.
وقد برهنت القمة العربية الطارئة على قدرة مصر الفائقة في توظيف ثقلها السياسي والدبلوماسي لحشد المواقف العربية وتوحيد الصفوف وتنسيق الجهود الدبلوماسية إقليميا ودوليا، حيث استطاعت بمهارتها وحنكتها، تجاوز الخلافات والتباينات التي طالما أعاقت التحرك الجمعي، وتوجيه الجهود نحو خطوات عملية مؤثرة على الساحة الإقليمية والدولية؛ لضمان أن تبقى القضية الفلسطينية في صدارة الأولويات العالمية، ومنع محاولات طمسها أو تهميشها أو تصفيتها وبفضل هذه الجهود خرجت القمة بقرارات واضحة وقوية تعكس إرادة عربية موحدة، وتضع خطوطًا حمراء أمام أي محاولات لفرض واقع جديد على الأرض الفلسطينية، سواء بالاستيطان أو التهجير القسري أو استمرار الاعتداءات.
كما أثبتت القاهرة أنها ليست مجرد وسيط دبلوماسي، بل طرف رئيس وقوة فاعلة تمتلك رؤية شاملة لحل النزاعات وإدارة الأزمات وصناعة القرارات الحاسمة بما يحقق التوازن، حيث لم تكتفِ بإطلاق التصريحات أو إصدار البيانات، بل دعمت موقفها بمبادرات ملموسة على الأرض تجمع بين التحرك السياسي الفعال والدعم الإنساني المباشر للفلسطينيين، ويظهر ذلك جليًا في موقفها الثابت والراسخ برفض أي مخطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، ومساعيها الدؤوبة لوقف إطلاق النار، وسعيها الحثيث لتأمين المساعدات الإنسانية وفتح قنوات إغاثية عاجلة إلى قطاع غزة رغم العقبات والتحديات، فهذه التحركات تعكس التزامًا أصيلًا تجاه القضية الفلسطينية، وتؤكد أن مصر ستظل دائمًا في طليعة المدافعين عنها، باعتبارها قضية عادلة لا تقبل المساومة أو التفريط.
ولقد أعادت هذه القمة تسليط الضوء على الدور المصري المحوري كضامن أساسي لاستقرار المنطقة، وحجر زاوية في مواجهة الأزمات الإقليمية، ورسّخت مكانتها كقيادة واعية تمتلك رؤية استراتيجية شاملة لحماية الأمن القومي العربي، وتحقيق التضامن بين الدول العربية في مرحلة دقيقة تتطلب وحدة الصف واتخاذ قرارات مصيرية، ومرة أخرى، تثبت مصر أنها الحاضن التاريخي للقضايا العربية، وصوت الحق الذي لا يتردد في الدفاع عن الحقوق المشروعة، وأنها القوة القادرة على إعادة التوازن في المنطقة، من خلال دبلوماسية نشطة تعتمد على الفعل المؤثر، لا مجرد الخطابات والشعارات.
وفي ظل التحولات الدولية وما تواجهه المنطقة من تحديات معقدة، أثبتت مصر مجددًا أنها حجر الأساس في المعادلة العربية والدولية وأنها تمتلك القدرة على التأثير وتوجيه البوصلة السياسية نحو مسارات تصب في مصلحة الأمن القومي والسيادة العربية، وأن دورها لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يمتد إلى استشراف الحلول وترسيخ أسس العدالة والاستقرار والسلام في المنطقة، عبر تحركات سياسية مدروسة، تجمع بين الحنكة الدبلوماسية والقدرة على صناعة التحالفات الفاعلة، وهذا ما أثبتته القمة لتؤكد أن مصر لم تفقد ريادتها، بل أكدت مكانتها كقوة إقليمية كبرى تمتلك أدوات التأثير والتغيير، وتعمل على توحيد الصف، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بما يضمن تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفق أسس واضحة تستند إلى القانون الدولي والشرعية الدولية ومبادئ العدالة والإنصاف.














