
بقلم : د. ناهد الطحان
كانت الإذاعة ولا تزال هي منارة للكلمة الراقية والفن الجميل الذي يتدفق في وجداننا فيلمس أوتار النفس ويشفي أدواءها، ولا يغيب عنا أن الإذاعة المصرية كانت الرائدة في هذا المجال منذ بداياتها وخاصة في الفن الدرامي، حيث كانت تقدم الأعمال الدرامية أولا في الإذاعة ثم يعاد تقديمها تليفزيونيا وسينمائيا بعد نجاحها وإلتفاف الناس حولها، ليستمتع بها الجمهور المصري والعربي في كل مكان بعد أن نجحت في جذب المستمعين إليها، ومن هذه الأعمال مسلسل سمارة والف ليلة وليلة ومسلسل لن أعيش في جلباب أبي ومسلسل أفواه وأرانب والدنيا على جناح يمامة وقصر الشوق وغيرهم من علامات الدراما الإذاعية، التي اتسمت بتنوعها بين التاريخي والديني والاجتماعي والكوميدي لتناسب كل الاذواق من جهة ولتقدم وجبات فنية راقية وهادفة تحترم عقل المستمع وترتقي بوجدانه من جهة أخرى، وكان يتم التحضير لهذه الأعمال من قبل مؤلفي الإذاعة ومخرجيها قبلها بأشهر وهو ما يميز الإذاعة عن غيرها من الوسائط التي تحتاج لسنوات حتى يتم تحضير العمل الدرامي سواء للسينما أو للتليفزيون، لما للوسيط الإذاعي من خصائص مميزة مثل قلة التكاليف والقدرة على الإيحاء بالخيال واعتماد الإذاعة على الصوت كبديل لتوصيل رسالتها الفنية، وهو مايغني عن التكاليف الباهظة للديكورات والملابس والماكياج والمجاميع ويجعل الإذاعة وسيلة مثالية لتقديم الفن الدرامي الذي يخاطب فكر وخيال المستمع .
وفي عودة قوية للدراما الإذاعية قدمت الإذاعة المصرية في رمضان هذا العام باكورة إنتاجها الدرامي مسلسل (الجيران لبعضيها) في ثلاثين حلقة بعد أعوام طويلة من التوقف، والذي دشنه رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني و محمد نوار رئيس الإذاعة المصرية قبل رمضان بأسبوع واحد من إخراج المبدع الكبير رضا سليمان ومن تأليف الكاتبة الرائعة رشا أنور، في إنجاز يحسب للإذاعة المصرية العريقة ولفريق العمل الذي واصل الليل بالنهار حتى يخرج المسلسل بهذا الإبداع، ليفاجأ الجميع برمضان بطعم المحبة والأصالة التي افتقدناها منذ سنوات، من خلال عمل جديد يناسب ذوق وتقاليد المجتمع المصري، حيث كانت الإذاعة المصرية ولاتزال حريصة كل الحرص على تقديم الفن الأصيل في أبهى صورة للمستمع المصري والعربي، وكان التليفزيون المصري منافسا قويا لها في هذا، ولأعوام طويلة لا تزال أصداؤها تتردد إلى الآن عبر مئات الأعمال الدرامية التي عاصرها الجمهور المصري وأبناء الوطن العربي في كل مكان .
وقد استمتع جمهور الإذاعة بالمسلسل الاجتماعي والكوميديا الراقية (الجيران لبعضيها) في إنتاج جديد ومشرف للإذاعة المصرية وإذاعة البرنامج العام على وجه التحديد، وقد قامت معظم الإذاعات المصرية بإذاعته تزامنا مع إذاعة البرنامج العام، ليقدم نجوما كبارا طالما أمتعونا وعلى رأسهم النجمة إلهام شاهين، والنجمة سلوى خطاب والنجوم هناء الشوربجي ومحمد أبو داوود و ليلى عز العرب وأحمد صيام ومي عبد النبي ومحمد رضوان ومحسن صبري وعادل شعبان ومصطفى درويش ووفاء السيد، ونجوم المستقبل آية حمزة وأمير عبد الواحد ، وموسيقى منير الوسيمي ، وغناء مدحت صالح مع المخرج المنفذ هيام فاروق .
والمدهش أن النجمة إلهام شاهين لم تقف أمام مايكروفون الإذاعة من قبل، رغم أن المستمع لشخصية نبيلة التي تقوم بدورها لا يمكن أن يتخيل أنها البطولة الأولى بل والعمل الاول لها في الإذاعة، مع كل تلك الحساسية المرهفة في التعامل مع مايكروفون الإذاعة الذي كثيرا ما أثار الرعب في قلوب المتعاملين معه للمرة الأولى، وهو ما يحسب لها مع حرفية شديدة في الأداء وقدرة على التعبير عن بواطن الشخصية وتحولاتها بثقة وتمكن، استشعرناه أيضا من كل فريق العمل الدؤوب المتناغم والمبدع .
والمسلسل يعالج فكرة التقارب والتحاب بين الجيران، في عمارة المحبة بعد أن تفرق الناس وأصبحوا في جزر منعزلة رغم أنهم يجمعهم مكان واحد، وهي عادات وتقاليد يلقي المسلسل الضوء عليها ربما لنتذكر من خلالها أصالة مجتمعنا وقدرته على لم شمل الجميع تحت راية المحبة والوئام، وهو ما استطاعته شخصية نبيلة بجدارة – مع ما يمثله دلالة اسمها ودورها أيضا في المسلسل من معاني النبل والرقي – والتي اضطرت لترك الكمباوند الذي تعيش فيه بعد زواج ابنها الوحيد شريف وهجرته إلى كندا، لتعود لشقتها القديمة في مصرالجديدة وتشعر بالضيق الشديد لم آل إليه حال العمارة بعد أن كانت من أجمل المباني في المنطقة، فتحاول بكل طريقة أن تجمع شمل الجيران ليتحدوا رغم اختلاف توجهاتهم ومشاكلهم من أجل الإهتمام بجمال المبنى، بعد أن أصبح نهبا للقمامة والإهمال .
من هنا تبدأ الأحداث حيث نتعرف على مظاهر الضعف الإنساني في نفوس سكان العمارة من خلال نماذج إنسانية مختلفة تمثل المجتمع المصري، من مدرس يحاول الحصول على المال بأية طريقة أو ممثلة معتزلة تمارس هوايتها في التجسس على الجيران أو المعلم الذي يفرض رأيه وسطوته على الجميع، وفي ظل كل تلك الأحداث تعاني نبيلة شعورها بالوحدة الشديدة وتحاول أن تنفذ نصيحة طبيبتها في أن يكون لها دور إيجابي يبعدها عن هذه المشاعر السلبية التي تحاوطها، وبالفعل تنجح في التقرب من سكان العمارة وإقناعهم بضرورة الإهتمام بعمارتهم وبجمالها، وكأنها تعيد ترتيب حياتها وحياتهم من جديد وتنظيمها بالشكل الذي يجعلهم يفكرون بطريقة أكثر وضوحا وإيجابية، مما ينعكس على تقويم سلوكياتهم فتصبح أكثر رقيا واحتراما سواء لبعضهم البعض أو لعمارتهم التي تتردد أنباء تجميلها ونظافتها عبر السوشيال ميديا، مما يدفع أحدى القنوات الفضائية لتصوير العمارة والتسجيل مع سكانها بعد أن أصبحت في أبهى حلة، وهذا يتزامن مع تفكير نبيلة في الإرتباط بفريد الذي أحبته منذ ثلاثين عاما ولكنها لم تتمكن من الزواج به، وتقابله صدفة في النادي لتشعر أنها تستعيد حياتها الفائتة من جديد بعيدا عن مشاعر الغربة والوحدة التي تعيشها، ورغم أنها تصطدم برفض ابنها شريف لزواجها مرة أخرى إلا أن فريد يصر على الزواج بها بعيدا عن أنانية الإبن، فيحضر فريد الحفل الذي يقيمه سكان العمارة ويخطب نبيلة أمام الجميع لتشعر بالفعل أن حياتها تتجدد وأنها مازالت الفتاة الجميلة التي تستشعر الحب والأمان، لتنتهي أحداث المسلسل نهاية سعيدة للجميع بعد أن تقاربوا واجتمعوا على حب عمارتهم وحب بعضهم البعض، كمعادل موضوعي لحب الوطن ككل وهو ما يدلل عليه تحديد الكاتبة رشا أنور لمنطقة مصر الجديدة حيث تدور الأحداث، رغبة في إعادتنا لزمن جميل راق واستشرافا لمصر أكثر دفئا وعطاء بعيدا عن الصراعات والصغائر التي تقطع أوصال المحبة بين الناس .
جاءت الموسيقى للموسيقار الكبير منير الوسيمي معبرة عن الحالات والمواقف المختلفة التي تضافرت لتجسيد الصراع عبر مسامع متتالية ومتسارعة ومشوقة، كما عبر تتر المسلسل والإند من خلال غناء المطرب الكبير مدحت صالح عن أجواء العمل وقيم الجيرة والمحبة بينهم، كما برز التنوع الشديد في الأداء لكل فريق العمل عبر التنافر والتناغم بين الشخصيات حينا أو التنازع حينا آخر، لينجح الإخراج في تقديم تشكيل فني قادر على استدراج المستمع حتى النهاية، فكل شخصية استطاعت أن تقدم نفسها عبر كاريزمة وخصوصية الصوت، التي نجح المخرج الكبير رضا سليمان في اختيارها والإستفادة منها لتؤكد على طبيعة كل شخصية ودورها في العمل، مما شكل لوحة فنية متوهجة لا يمكن أن تنساها أذن المستمع بسهولة، لأنه يشعرنا بالألفة والتآلف معها عبر تأثيرها اللا محدود وهو ما يصنع بهجة الدراما الإذاعية وقوة تأثيرها .
مسلسل (الجيران لبعضيها) يأتي ليؤكد على أهمية تقديم الفن الراقي للجمهور المصري المتعطش للفن الجميل والكلمة الراقية والحوار الرشيق والقيم النبيلة الهادفة، وليؤكد أيضا على حتمية التكاتف من الجهات الإعلامية والدرامية والفنانيين والمنتجين لتقديم أعمال درامية تشبهنا وتشبه تاريخنا الإنساني والفني، الذي عبر فيما مضى الحدود دون عوالم فضائية لما له من تأثير فكري وفني عميق يليق بهذا التاريخ، وأرى أن مسلسل (الجيران لبعضيها) يمثل انطلاقة حقيقية للإذاعة المصرية نحو المزيد والمزيد من الأعمال الدرامية الراقية، التي ستنير بإذن الله سماء الفن المصري وتؤرخ لمرحلة جديدة من العطاء الفكري والفني تعزز مكانة مصر وريادتها، من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة بعيدا عن التشويه المتعمد لمجتمعنا وقيمنا ورموزنا الفنية والثقافية .













