اكتست قرى مركز ملوي بالسواد، وانسكبت دموع الأمهات المكلومة على أعتاب منازلهن، إثر حادث مروع راح ضحيته ستة من أبنائهن، فيما يرقد العشرات على أسرة المستشفيات بين الحياة والموت. المشهد الصادم وقع على الطريق الصحراوي الغربي، وتحديدًا عند زمام قرية تونا الجبل، حين انقلبت رحلة يوم عمل إلى كارثة إنسانية بكل المقاييس، بعد اصطدام سيارة “بيك أب” محمّلة بـ34 طفلًا يعملون في المزارع بسيارة نصف نقل، لتتحول فرحة العمل إلى فاجعة أليمة.
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحًا، حين كانت السيارة الملقبة بـ”النعش الطائر” تترنح على الطريق السريع، تحمل على متنها عشرات الأطفال ممن أنهوا عملهم الشاق في إحدى المزارع الصحراوية، غير مدركين أن القدر يخبئ لهم نهاية مأساوية. السيارة، غير المخصصة لنقل البشر، كانت تسير بسرعة جنونية، يقودها سائق ألقى بكل قوانين المرور والحذر عرض الحائط، في ظل حمولة زائدة ورياح محملة بالأتربة أعمت الأعين.
وأمام مصنع القمامة بقرية تونا الجبل، وقع الاصطدام العنيف، لتتناثر أجساد الأطفال على الطريق وكأنهم أوراق خريف تساقطت فجأة. السيارة تحولت إلى كومة من الحديد، والضحايا سقطوا بين متوفين ومصابين. ومع وصول قوات الأمن بقيادة اللواء مجدي سالم، مدير أمن المنيا، والعميد محمود مشهور، مأمور مركز شرطة ملوي، بدأت عمليات الإنقاذ ورفع الجثث من بين الحطام.
تم انتشال جثث ستة أطفال ذكور، جميعهم مجهولو الهوية، تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا، وقد تم نقلهم إلى مشرحة مستشفى ملوي التخصصي في مشهد لا ينسى من البكاء والذهول، وسط جموع من الأهالي الذين هرعوا للتعرف على جثث أبنائهم.
وبالتزامن، تم نقل 28 طفلًا مصابًا، أغلبهم من الطلبة، إلى مستشفى ملوي التخصصي لتلقي الإسعافات اللازمة. وجاءت قائمة المصابين طويلة وموجعة، حيث ضمت: إبراهيم جلال عبد الرشيد (16 سنة، طالب)، محمد جلال عبد الرشيد (12 سنة، طالب)، شريف أشرف رمضان (10 سنوات، طالب من ملوي)، محمد أحمد خلف (12 سنة، طالب)، محمد فرغلي رزق (10 سنوات، طالب)، سيد عبد الحكيم عبد الستار (13 سنة، طالب)، مصطفى لملوم حمزة (33 سنة، سائق)، يوسف ياسين توفيق محمد (12 سنة، طالب)، علي مهران أحمد (15 سنة، طالب)، طارق مصطفى رضا (11 سنة، طالب).
كما تضمنت القائمة حالات حرجة لأطفال مجهولي الهوية: طفل يبلغ من العمر 11 سنة في غيبوبة تامة، وآخر عمره 12 سنة من ملوي في غيبوبة، وثالث في الثانية عشرة من عمره، ورابع يبلغ 13 سنة، وخامس يبلغ 12 سنة. ومن بين المصابين أيضًا: أحمد عادل توفيق (14 سنة، طالب)، إسلام أشرف رمضان (12 سنة، طالب)، عبد الحكيم خلف شحاته (11 سنة، طالب)، حازم رمضان (13 سنة، طالب)، يوسف منتصر برايا سالم (14 سنة، طالب)، عمرو أحمد ثابت (13 سنة، طالب)، مصطفى عاشور مصطفى (15 سنة، طالب من مركز ملوي)، عبده طلعت محمد (32 سنة، بدون عمل، مقيم بديرمواس)، علي ربيع حلمي (13 سنة، طالب)، عبد الله شادي يحيى عبد ربه (11 سنة، طالب)، وطفل مجهول يبلغ من العمر 15 سنة، إضافة إلى عماد خلف شحاتة (12 سنة، طالب من ملوي)، وعبد المطلب شحاتة محمد (37 سنة، بدون عمل من ديرمواس).
قامت الدكتورة نادية مكرم، وكيل وزارة الصحة، بزيارة المصابين في مستشفى ملوي التخصصي، وأشرفت على الفريق الطبي المعالج، حيث تبين أن الإصابات تراوحت بين اشتباه في نزيف بالمخ، كسور متعددة في الساقين والذراعين، ارتجاجات، غيبوبات، وجروح قطعية عميقة، بعضها بطول 15 سم في الرأس. وأعلنت أن 26 مصابًا خرجوا بعد تلقي الإسعافات، وجارٍ متابعة باقي الحالات.
وفيما يتعلق بالتحقيقات، أمر المستشار محمد أبو كريشة، المحامي العام لنيابات جنوب المنيا، بندب فريق من النيابة العامة لمعاينة الحادث، والاستماع لأقوال المصابين، والتحفظ على السائقين، وإجراء تحاليل مخدرات لهما، بالإضافة إلى فحص السيارتين فنيًا عبر لجنة هندسية من إدارة المرور، والاستعلام عن بيانات مالكيهما، مع توسيع تحريات المباحث حول ملابسات الواقعة.
وعقب الحادث، أمر العميد وليد العاطون، مدير إدارة مرور المنيا، برفع حطام السيارتين من الطريق وتسيير حركة المرور، وتمكن الرائدان أحمد خلف وربيع محروس والنقيب صالح محمود من رفع حطام السيارتين، فيما صرح اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، بأن استمرار استخدام سيارات البيك أب لنقل الركاب هو بمثابة “قنبلة موقوتة”، تمثل خطرًا داهما على أرواح المواطنين، مشددًا على أن الدولة سبق وأن وفرت بدائل قانونية وآمنة، وأن تجاهلها هو مشاركة في إراقة الدماء.
المحافظة كانت قد أصدرت قرارًا منذ فبراير 2021، باستبدال سيارات البيك أب بميكروباصات، في مبادرة هدفها توفير وسائل نقل آدمية وآمنة، وقد أثمرت هذه المبادرة في خفض نسبة الحوادث بنسبة 32%، بعد أن سجلت المنيا وحدها 252 حادثًا نتج عنها 306 وفيات و315 إصابة خلال فترة قصيرة. إلا أن حادث اليوم يعيد الجرح المفتوح، ويؤكد أن التطبيق الصارم وحده هو السبيل لردع المخالفين وإنقاذ الأرواح.



















