»» دمج الخطوط التاريخية والعلمية والاجتماعية في بناء سردي متقن
ويتجدد اللقاء مع المعين الصافي لإبداعات وإطلالات أدباء ومواهب أرض الكنانة وفي هذه السطور نعرض لرؤية نقدية للكاتب الأديب أحمد عبدالله إسماعيل حول رواية الأقدام السوداء للأديب الروائي محمد فايز حجازي..
بقلم ✍️ أحمد عبد الله إسماعيل
رواية “الأقدام السوداء”، للأديب محمد فايز حجازي، عمل أدبي متفرّد يعكس تنوعا في الأنماط السردية ويستعرض أسلوبا جديدا في طرح المواضيع الاجتماعية والفلسفية؛ إذ ينطلق الكاتب من فكرة مركبة تتداخل فيها قضايا الحب والدين والوطن والعمل؛ ليبني عالمًا يواجه فيه هذه المشاعر الإنسانية الصادقة صراعات مع الدجل والفساد، وتتميز الرواية بقدرتها على دمج الخطوط التاريخية والعلمية والاجتماعية في بناء سردي متقن يشد القارئ.
الغلاف والعنوان
في الرواية يعكسان بشكل مميز الأجواء والرمزية المرتبطة بالقصة:
عنوان الرواية “الأقدام السوداء” مع العنوان الفرعي “تقاطعات العشق والدجل” يحملان في طيَّاتهما دلالات عميقة تعكس التناقضات والصراعات الداخلية التي يواجهها الأبطال؛ فمصطلح “الأقدام السوداء” يشير إلى المستوطنين الفرنسيين في الجزائر خلال فترة الاستعمار، مما يضفي بُعدًا تاريخيًا على الرواية. أما “تقاطعات العشق والدجل”، فيعكس هذا العنوان الفرعي التوتر بين الحب الحقيقي والزيف، بين النقاء والدجل، مما يضفي بُعدًا فلسفيًا نقديًا يتجاوز البنية السردية التقليدية.
تسمية الأقدام السوداء مع إدراج الترجمة الحرفية للعنوان باللغة الفرنسية: Piéd-noir) يؤكدان على قصدية الكاتب لإيصال رسالة معينة من وراء هذا العنوان.
حسب القاموس الإنجليزي لأوكسفورد فمصطلح الأقدام السوداء يعني: هي نعت لكل أوروبي الأصل (خاصة الفرنسيون منهم) عاش في الجزائر أثناء فترة الحكم الفرنسي لها ورحل عنها عند استقلالها سنة 1962، ويتفق معه قاموس لوروبير الذي يضيف أن المصطلح ظهر حوالي سنة 1955، في حين أن قاموس لاروس لا يقصر الأمر على الجزائر بل كل شمال أفريقيا الخاضع للحكم الفرنسي (أي بإضافة المغرب وتونس).
أما عن صفة الأقدام السوداء، فإحدى النظريات ترجع الأمر إلى سواد الأحذية التي كان يرتديها الجنود الفرنسيون بالمقارنة مع أقدام الجزائريين أصحاب الأرض. في حين أن نظرية أخرى ترجع ذلك إلى وسخ ملابسهم أو عصرهم لعناقيد العنب بالأرجل لإنتاج النبيذ.
يُظهر الغلاف – بشكل دقيق – الأجواء الرمزية التي تدور حول الرواية، مع خلفية تُمثل رمال الصحراء، وهي مكان يتم فيه الكشف عن المعركة النفسية الوجودية التي يخوضها البطل “حسن” ضد القوى الشريرة. الدوامات السوداء التي تظهر على الغلاف تُمثل الاضطراب والصراع المستمر في البحث عن الحقيقة ومواجهة التحديات، مما يسلط الضوء على صراع البطل ضد تلك القوى.
يحمل العنوان بُعدين دلاليين يتداخلان معًا في مضمون الرواية؛ فالأقدام السوداء تشير إلى جماعة تاريخية معروفة تمثل الشر، وتحمل سمة القسوة والمكر، وهذه الجماعة تكون في صراع مع البطل.
أما عمق الحفر فيرمز إلى العملية التي يتم من خلالها استخراج “النفط الأسود”، الذي هو هدف الرواية، مما يبرز السعي لتحقيق الأهداف الكبرى والصراع للوصول إليها. العنوان يعبّر عن هذا الصراع المزدوج بين القوى الشريرة التي تمثل “الأقدام السوداء”، وبين السعي لاستخراج شيء نفيس، كالنفط، من أعماق الأرض.
الإهداء
يحمل إهداء المؤلف محمد فايز حجازي لروايته “الأقدام السوداء” العديد من اللمحات الفنية والأدبية والجمالية حيث نلاحظ في الإهداء استخدامه لصور بلاغية تنطوي على شعور بالانتماء العميق للمكان والزمان. فتعبيره “إلى كل قبّة ومئذنة تعلّق بها قلبي، ومازال” يوحي بارتباط روحاني وعاطفي بالأماكن التي تحمل ذاكرة وذكريات المؤلف، وهي مكونات مشهدية مملوءة بالرمزية. القبة والمئذنة ترتبطان بالروحانيات والإيمان، مما يعكس أبعاداً دينية وروحية في الرواية.
يبرز الإهداء بُعداً زمانياً ومكانياً واضحاً من خلال الإشارة إلى “القاهرة القديمة”، و”أيام الطفولة النقية في السيدة وسيدنا الحسين”، يمكن للقارئ أن يشعر بنكهة الماضي والذكريات الطفولية التي تركت أثراً في نفس الكاتب. هذه الأماكن تعد جزءاً من هوية المؤلف وتُعبّر عن أبعاد الثقافة والتراث المصري.
نلمح تأثر الكاتب بالعطور والذكريات في قول “إلى عطر الأماكن التي فتحتُ عيني عليها”، نجد صورة حسية قوية تستحضر العطور كرمزية للمكان الذي يحمل عبيراً خاصاً يرتبط بالذكريات الشخصية. العطر هنا ليس مجرد رائحة، بل هو استحضار للمكان بأبعاده الثقافية والوجدانية.
يُظهر الإهداء نوعاً من الحنين إلى الوطن والتعلق بالمكان، كما يتضح بشكل كبير في عبارة “إلى بلادي المحروسة”. وهذه العبارة تحمل معنى وطنية قوية، حيث يرتبط المكان بالحماية والعناية، ما يضفي على الإهداء لمسة من الفخر والانتماء.
يتميز الأسلوب الأدبي في الإهداء بالبساطة والصدق العاطفي؛ فلا توجد تعقيدات لغوية، بل هو أسلوب سلس ومعبر، يتوجه مباشرة إلى مشاعر القارئ. من خلال هذا الأسلوب، يجعل الكاتب القارئ يشعر بالارتباط بالمكان والعالم الذي يصفه، مما يعزز قوة الانطباع الأول الذي يتركه الإهداء.
تتسم اختيارات حجازي للأماكن والرموز في الإهداء بالجمالية الرمزية؛ فالأماكن مثل “السيدة” و”سيدنا الحسين” تحوي دلالات ثقافية ودينية، مما يعزز قيمة الإهداء ويجعله أكثر عمقاً.
إهداء الأديب محمد فايز حجازي هو مفتاح لفهم الرواية وتوغل في عوالمها؛ إذ يعكس ارتباطاً شديداً بالأماكن، والزمان، والذاكرة الشخصية، ويُعبر عن شغف المؤلف بعناصر مكانية ورمزية عميقة في الرواية.
تعتبر الجزائر محورًا رئيساً في رواية الأقدام السوداء، حيث يبرز الأديب محمد فايز حجازي من خلال شخصياته الجزائرية روح المقاومة والثبات أمام الاحتلال. تُجسد شخصية “العم يزيد” الحكمة البسيطة والتعامل بالفطرة السليمة، مما يعكس أهمية التفكر في القيم الإنسانية البسيطة كحلول للتعامل مع الأزمات. تؤكد هذه الرمزية في “العم يزيد” على ضرورة العودة إلى المبادئ الأخلاقية الأصيلة من أجل تجاوز الفتن والصراعات التي تزرعها القوى الاستعمارية.
من خلال تطور الأحداث، يظهر جليًا تأثير الجزائر على مجريات القصة وكيفية تداخل هويتها الثقافية والسياسية مع باقي الشخصيات في الرواية. الجزائر ليست فقط ساحة للصراع، بل هي رمز للقوة والشجاعة التي لا تنحني أمام التحديات. تجسيد الجزائر بهذا الشكل يعكس التقدير الكبير للثقافة الوطنية والمقاومة، ما يجعلها نموذجا يحتذى في الأدب العربي والعالمي.
تحمل الرواية رسائل متشابكة في سياقها الاجتماعي والسياسي والتاريخي، وتستخدم شخصيات الجزائر لتقدم دروسًا في الصمود أمام الاستعمار والنضال من أجل الحرية، كما أن العلاقة بين الشخصيات الجزائرية والمصرية تعكس الوحدة العربية والتكامل بين دول المنطقة في مواجهة القوى الغربية التي تسعى لفرض سيطرتها.
يبرع الكاتب في استخدام الأسلوب السردي الممتزج بين التاريخ والجغرافيا والفكر الفلسفي؛ حيث تتداخل الأحداث السياسية مع التطورات الاقتصادية، خصوصًا في ما يتعلق باكتشاف النفط والسيطرة عليه؛ ليظهر الصراع المستمر بين الطموحات الاقتصادية والدوافع الاستعمارية التي لا تنتهي.
من أبرز سمات الرواية هي اللغة الرصينة التي تمزج بين البساطة والعمق، حيث يستخدم الكاتب أسلوبا سلسا وسهلا يمكن أن يصل إلى القارئ بكل يسر، ولكن في الوقت ذاته يحمل الكثير من الأبعاد والطبقات الفكرية التي تحتاج إلى تفسيرات متعددة، ويتيح هذا الأسلوب للقارئ فرصة التفاعل مع النص بطرق مختلفة، مما يجعل الرواية تفتح أمامه أفقًا للتأمل والتحليل العميق.
جاءت الحبكة قوية ومتقنة، حيث يمتزج فيها الجانب البوليسي مع الرومانسي والاجتماعي. يعزز هذا التنوع من جاذبية الرواية ويجعلها مغامرة عقلية وفكرية ممتعة للقارئ. يجسد الكاتب الصراع بين الأيديولوجيات والمفاهيم المتباينة، خاصة تلك التي تدور حول الدين والعشق والسياسة؛ ليظهر التوترات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
تعد الرواية إحدى الروائع الأدبية التي تتقاطع فيها العواطف والأحداث المتشابكة، وتفتح آفاقا عدة للقارئ لاكتشاف معاني الحب والخيانة، الحقيقة والخيال، في سياق زمننا المعاصر.
برع الكاتب في اختيار موضوع روايته وأسلوبها السردي المتميز؛ حيث تتخذ الرواية من عالم حفر آبار البترول والتنقيب عنها موضوعًا رئيسًا، وهو مجال قد يظنه البعض موضوعًا يفتقر إلى الديناميكية والصراع ، لكنه في يد الكاتب يصبح عالمًا حيويًا مليئًا بالصور الأدبية العاطفية والفكرية والإثارة.
تسهم البداية التاريخية التي اختارها الكاتب بشكل قوي في خلق أجواء الرواية؛ حيث يبدأ بتسلسل ثلاثة مشاهد تاريخية متفرقة في أزمنة وأماكن متنوعة، مما يربط بين أحداث الماضي والحاضر في بنية سردية متقنة.
تأتي تلك المشاهد بتوقيتات وأماكن حاسمة: ولاية بنسلفانيا الأمريكية في عام 1859م، مصر في الفترة بين 1881-1882م، الجزائر في 1917م، وتمثل هذه التواريخ لحظات اكتشاف أولى آبار البترول في العالم، ويُظهر الكاتب بذكاء كيف أن تلك الاكتشافات التاريخية تشكل جزءًا من حياة الشخوص المحورية في الرواية.
عبر هذه المشاهد، يبرز الكاتب أسلوبه الفريد في السرد، باستخدام الراوي العليم الذي يقدم الأحداث بلغة وصفية بارعة ورشيقة، تدمج بين الفصاحة الأدبية والدقة في نقل المشاعر والأحداث، كما أن الحوار الجاذب والممتع بين الشخصيات يسهم في جذب القارئ إلى عمق النص ويجعله يتفاعل مع تطور الأحداث.
الانتقال من المشهد التاريخي إلى الخبر في جريدة “واشنطن بوست” ليس مجرد إضافة سردية، بل هو جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويكشف عن التطورات المستمرة التي طرأت على عالم النفط وصراعاته، كما أن هذا الاختيار يشير بوضوح إلى رؤية الكاتب في ربط الماضي بالحاضر، مبرزًا التناقضات السياسية والاجتماعية التي استمرت عبر الزمن.
ما يميز الرواية هو أنه لا يُنظر فقط إلى الاكتشافات النفطية من زاوية تاريخية بل من زاوية إنسانية وجغرافية وسياسية؛ ليبني الكاتب صورة دقيقة عن عالم معقد من خلال شخصياته المحورية: “حسن عبد الكريم” المصري، “داليا بن بركة” الجزائرية، و”ريكي جيفرسون” الأمريكي.
بذلك، يوضّح الكاتب أن من يقود الأحداث ويصنع تاريخها هم أنفسهم الذين يحركون صراع الحاضر، وهذا الربط بين التاريخ والمعاصرة يعزز من رسالة الرواية العميقة، ويؤكد على مدى تأثير الأحداث الكبرى مثل اكتشاف النفط في تشكيل مصير الأفراد والشعوب، وعلى دور القوى الكبرى – “الأقدام السوداء” – في التحكم بمسار التاريخ.
من الناحية الفنية، تقدم الرواية صورة شاملة ومعقدة عن الصراع بين الخير والشر، وبين الحب والخيانة، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على تحولات تاريخية كبرى تؤثر في الحياة الإنسانية، وهو ما يجعلها عملاً أدبيًا متعدد الأبعاد يتطلب من القارئ التفاعل مع كل مستوياته.
يبدأ الكاتب روايته من لحظة اكتشاف أول بئر بترول في العالم على يد “إدوين دريك”، ووفقًا للكاتب، قد يظن القارئ لأول وهلة أن الكاتب مجرد سارد للأحداث التاريخية، ولكنه في الواقع قد أبدع في دمج التاريخ بالفن والدراما، ليعطي القارئ تجربة سردية فريدة. يظهر ذلك بوضوح في الوصف الدقيق لبيئة المكان، مثل شكل الساعات والنظارات وأنواع الأخشاب، حتى التفاصيل الصغيرة مثل أسماء الجرائد والمجلات، التي تُظهر اهتمامًا بحثيًا دقيقًا من الكاتب، هذه التفاصيل لم تأتِ فقط لإضفاء مصداقية على الرواية، بل جاءت لتثير في القارئ تساؤلات وتفسيرًا أعمق للمواقف والأحداث.
في هذا المشهد، يبرز “إدوين دريك” بشخصيته المتدينة، الذي يعبر عن تفاؤله وإيمانه بأن المسيح المخلّص “يسوع” سيكون السبب في نجاحه، في حين يواجهه “جورج”، أحد ملاك الشركة، بنظرة عقلانية محضة تتجاهل الأبعاد الروحية وتؤمن بالذكاء، المال، والعلم كعوامل أساسية للنجاح. من خلال هذا الحوار، يوجه الكاتب رسالة عميقة حول طبيعة الصراع بين الفكرة الدينية والربحية المادية، حيث يشير إلى أن “أهل الشر” لا يؤمنون بأي شيء سوى مصالحهم، وأنه حتى من كانوا في مواضع دينية مثل “إدوين دريك” قد يُخدعون أو يُستغلون في هذا الصراع.
أما في مستوى البناء الفني، فإن الكاتب يجمع بين الشخصيات التاريخية الحقيقية والشخصيات الدرامية التي أضافها للحبكة، تسهم هذه الشخصيات المعاصرة في رفع التوتر الدرامي وخلق صراع بين الخير والشر على مستوى فني محكم، كما أن المشهد يجسد الصراع الأبدي بين الجمال والقبح، كما ورد في وصف الكاتب للحديقة والمتنزه، حيث استخدم تفاصيل دقيقة عن الفن والنحت في العصور القديمة، مثل تماثيل الفراعنة والرومان وعصر النهضة الأوروبي؛ ليعكس في هذه التماثيل رمزية الصراع المستمر بين الخير والشر. هذا الربط بين الجمال والجشع، وبين المثالية الواقعية والشرور، يضيف بعدا فلسفيا عميقا للرواية.
أما فيما يتعلق بكيفية ربط الكاتب بين المشاهد الثلاثة، فنجد أنه لا يكتفي بعرضها بشكل منفصل، بل يربطها من خلال أسلوب سردي محكم؛ حيث يقدم لنا مشهدا تاريخيا في البداية، يتبعه نقل مفصل لما يحدث في الاجتماع السري لأهل الشر، الذين يتمتعون بالسيطرة والنفوذ، ويتخذون قرارًا بمعاقبة “دوف بنيامين” بعد فشله في المهمة. هذا الانتقال من الماضي إلى الحاضر وبين الشخصيات التاريخية والدرامية يُظهر براعة الكاتب في إدارة الحبكة والربط بين الخيوط المختلفة.
من خلال هذه الأساليب الأدبية والبحثية، يعكس الكاتب رؤية عميقة لفهم الشخصيات والأحداث، وتؤكد الرواية على أن ما يحدث في الماضي هو مجرد استمرارية لما يحدث في الحاضر.
في المشهد التالي، يتنقل الكاتب بمهارة من المشهد التاريخي الأول في بنسلفانيا إلى “سرايا عابدين” في مصر، حيث يشهد القارئ أحداثًا مهمة تتعلق بتطورات السياسة المصرية في تلك الحقبة.
في هذا المشهد، يسلط الضوء على الحوار بين الخديو توفيق، الذي يظهر في حالة من الارتباك والضعف، والقنصلين الإنجليزي والفرنسي اللذين يمارسان ضغوطًا على الخديو لتحقيق مصالح دولهما. يتناول الحوار مسألة الأميرالاي أحمد عرابي ومجيئه مع جنوده إلى السرايا، مما يعكس التوترات السياسية التي كانت تشهدها مصر في تلك الفترة، والتي كانت بداية لتصاعد الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.
هذا التحول في المكان والزمان يُظهر براعة الكاتب في المزج بين الوقائع التاريخية والأبعاد السياسية والاجتماعية؛ حيث تكمن الحكمة في اختيار هذه الفترة الزمنية (1879-1882م) وهي فترة حكم الخديوي توفيق، التي شهدت تصاعدًا في الوعي الوطني المصري وظهور القوى السياسية التي سعت إلى مقاومة الهيمنة الأجنبية، وخصوصًا التهديد البريطاني في تلك الحقبة.
بعد هذا الصراع السياسي والتاريخي، ينتقل السرد ليعرض تطورًا آخر وهو حفر أول بئر بترول في مصر في منطقة “رأس جمسة”. هذا الانتقال بين الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية يسهم في إبراز العلاقة بين الهيمنة الاستعمارية والسيطرة على الموارد الطبيعية، مثل النفط، التي تواصل التحكم في مصير الشعوب. توضح تلك الإحداث التاريخية، التي تم تضمينها في الرواية بشكل إبداعي، كيف أن “الأقدام السوداء” – الذين يمثلون القوى الاستعمارية والمصالح الأجنبية – كانوا في طليعة من سعى لتحقيق مكاسب مادية من خلال استغلال ثروات البلدان المستعمَرة.
و يحمل المشهد رمزية قوية بين التقدم التقني (حفر الآبار) والتبعات السياسية (الاحتلال الإنجليزي). الفكرة التي يعرضها الكاتب هي أن القوى الاستعمارية لا تتوقف عن نهب الثروات مهما كان الثمن، حتى وإن استلزم الأمر إشعال فتيل النزاعات والصراعات السياسية، وفي الوقت ذاته، يثير الكاتب قضية تداخل السياسة مع الاقتصاد، حيث يظهر كيف أن الاحتلال لا يقتصر على الأرض والسلطة، بل يمتد ليشمل الموارد الطبيعية التي تصبح محط صراع بين القوى الكبرى.
يبني الكاتب، من خلال هذا المشهد، حبكة متصاعدة حيث تتداخل الأحداث التاريخية المهمة مع الرسائل الدرامية، مقدّمًا صورة حية عن الواقع السياسي المصري في تلك الحقبة، وهو لا يقدم فقط الوقائع التاريخية، بل يصبغها بالعمق الدرامي والتفسير النفسي، ليجعل القارئ يتفاعل مع التوترات السياسية والتاريخية التي دفعت نحو الاحتلال.
في المشهد اللاحق، ينتقل الكاتب إلى ولاية ورقلة الجزائرية، حيث يعرض جزءًا مهمًا من تاريخ المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، ممثلة في قيادة الشريف “محمد بن عبد الله”.
تفتح هذه النقلة نافذة على الجانب البطولي والمقاوم للشعب الجزائري، الذي دافع بشراسة عن أرضه واستقلاله في مواجهة الاستعمار الغاشم؛ حيث يقف الشريف محمد بن عبد الله رمزًا للمقاومة التي خاضها الشعب الجزائري ضد الاحتلال، مما يضيف بُعدا تاريخيا إنسانيا عميقا للرواية.
ثم ينتقل السرد ليعرض لحظة اكتشاف أول بئر بترول في الجزائر، التي تمت بشكل غير مقصود على يد “مسعود بن روابح”، الذي كان يعمل كحفار آبار ماء وراعي غنم. اكتشاف “مسعود” للبترول يعد بمثابة المصادفة التي ستغير مصير المنطقة، ويكمن الجزء الأدبي في هذا المشهد في تصوير شخصية “مسعود” ببساطته وارتباطه بالأرض والبيئة التي نشأ فيها، ويُعيد اكتشافه لهذا المصدر الثمين رسم معالم القوى الاقتصادية التي ستتسبب في استحواذ الاستعمار على ثروات الشعوب.
عندما يصل الخبر إلى المحتل الفرنسي، يُظهر الكاتب كيف أن الاستعمار لم يتوانَ في استغلال هذا الاكتشاف لصالحه.
سريعا ما يتدخل الفرنسيون ويأخذون عينات من السائل الأسود (البترول) لإرسالها إلى معاملهم في فرنسا، ليقرروا حفر أول بئر بترول في المنطقة، وتُظهر هذه الأحداث كيف أن المستعمرين الفرنسيين لم يهتموا فقط بالسيطرة على الأراضي، بل استغلوا الثروات الطبيعية لأهداف اقتصادية وسياسية، مما يعكس صورة الفجوة بين المستعمرين والشعوب المستعمَرة، حيث كانت الجزائر تشهد نهبا لثرواتها منذ اللحظة التي اكتُشف فيها النفط.
من الناحية الأدبية والفنية، يتناول الكاتب هذا المشهد بطريقة تدمج التاريخ بالدراما، حيث تُضفي الشخصية الشعبية البسيطة “مسعود” لمسة إنسانية تُبرز الصراع بين الإنسان العادي وقوى الاستعمار القوية التي تسعى للاستحواذ على كل شيء. يُظهر الكاتب أن اكتشاف الثروات الطبيعية قد يؤدي إلى تسريع العمليات الاستعمارية، مما يسلط الضوء على الجانب القاسي والمتسلط الذي كان يمارسه المستعمرون في تلك الفترة.
بالمجمل، يعكس هذا المشهد جوانب المقاومة الجزائرية من جهة، واستغلال الاستعمار للثروات الطبيعية من جهة أخرى، ويُظهر كيف أن النفط أصبح رمزا للنهب والسيطرة الأجنبية على الأراضي المستعمَرة.
يظهر جهد الكاتب الكبير في تقديم كم هائل من المعلومات العلمية والتاريخية بسلاسة وإثارة، مما يعكس حرصه على بناء سياق متكامل يربط بين الماضي والحاضر، ويعزز الفكرة الرئيسية للرواية.
تدور المشاهد الثلاثة التي في الولايات المتحدة، مصر، والجزائر، لا تقتصر على كونها معلومات تاريخية فقط، بل تنبع من خلالها رسائل عميقة تكشف عن “الأقدام السوداء” أو القوى الاستعمارية التي سعت إلى الهيمنة على ثروات الشعوب ومقدراتها، والتي تواصل تأثيراتها حتى في الزمن المعاصر.
خدمت المشاهد الأولى النص بشكل بالغ الأهمية؛ لأنها لم تقتصر على إضفاء الطابع التاريخي على الرواية فحسب، بل قدمت أيضًا التفسير الأعمق لوجود القوى المعادية، التي تقف وراء التحولات السياسية والاقتصادية في البلدان العربية. هذه القوى الاستعمارية ظلت تدير اللعبة من خلف الستار، حتى في العصر الحديث، عبر قوى اقتصادية وشركات متعددة الجنسيات؛ لذلك، فإن تلك المشاهد التاريخية تعتبر جزءا أصيلا من النص، وساعدت على تحديد البنية السردية للرواية، مما جعل القارئ يتفهم الأبعاد المختلفة لصراع الأقدام السوداء. بدون هذه المشاهد، كان من الصعب أن نستوعب التاريخ الطويل لهذه القوى الاستعمارية وتأثيراتها المستمرة.
ينتقل الكاتب إلى عام 2012 في “القاهرة”، حيث تدور أحداث جديدة في سياق الرواية المعاصرة.
هذا التوقيت التاريخي لم يكن عشوائيا؛ إذ يعكس بوضوح مرحلة مفصلية في تاريخ مصر الحديث بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير. يظهر من خلال تلك الأحداث تدهور أوضاع الأبطال وتعرضهم لمؤامرات الشركات الكبرى التي تتلاعب بمصائر الموظفين الأكفاء مثل “حسن ثابت عبد الكريم”. من خلال هذه النقلة الزمنية، يشير الكاتب إلى الواقع المعاصر في مصر، مع إشارة ضمنية إلى انعدام العدالة في التعيينات، وهي مسألة اجتماعية واقتصادية يعاني منها الكثيرون.
يعزز الكاتب أيضًا سمة رمزية قوية في اختيار أسماء الشخصيات، مثل اسم “حسن”، الذي قد يشير إلى البعد القومي والتاريخي، لاسيما أن “حسن” مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسجد “السلطان حسن”، وهو رمز من رموز التاريخ الإسلامي. يدمج الكاتب من خلال هذه التلميحات، بين الرومانسية والقومية في شخصية البطل، مما يضفي على الرواية بعدا فلسفيا.
لا تقتصر هذه الرمزية على الأسماء فقط، بل تظهر أيضًا في العلاقة بين “حسن” وأماكنه المفضلة، مثل الممر بين مسجدي “الرفاعي” و”السلطان حسن”، الذي يمثل له ملاذًا وقت الأزمات.
مع دخول “حسن” إلى الجزائر، يتخذ النص منحى مثيرًا، حيث تتشابك مشاعر الحب والمخاطرة. لقاء “حسن” مع “داليا بن بركة” الجيولوجية المتمرّسة، التي كانت قد تبادلت معه القراءة والأفكار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ينقل الرواية إلى جانب إنساني وعاطفي قوي. كما أن علاقة “حسن” و”داليا” ليست مجرد قصة حب عابرة، بل هي تجسيد للصلة العميقة بين البلدان التي تشترك في الهوية والدم. هذا العنصر الرومانسي الممزوج بالمخاطر السياسية والاقتصادية يضيف طبقات من التعقيد والإثارة للقصة، مما يجعل القارئ يتتبع الأحداث بحبس الأنفاس.
في النهاية، تكشف الرواية عن تداخل التاريخ والسياسة والاقتصاد والحب في صورة متشابكة، وتؤكد على أن الصراعات العميقة لا تنتهي مع مرور الزمن، بل تتجدد وتستمر بشكل آخر.
يشير العمل إلى أن “الأقدام السوداء” يتعاطون الرذائل ويتفرغون تمامًا للشر، ولا يكترثون بالدين، بل بأهدافهم ومصالحهم الخاصة. هذا يظهر في المواقف ضد “إدوين دريك” و”دوف بنيامين”، حيث يكشف الكاتب عن معاييرهم الدنيئة التي تتجاوز الدين أو الهوية.
عمد الكاتب إلى تمثيل “الأقدام السوداء” عبر شخصيات متنوعة الجنسيات، مشيرا إلى أنهم لا يرتبطون بجنسية معينة، بل يتجمعون حول مصالحهم. ذكر اللغة الإنجليزية والفرنسية والإيطالية في الرواية يشير إلى تأثير القوى الاستعمارية في أنحاء مختلفة من العالم.
“مصر” في الرواية تمثل الأم والسند والقوة التي تدرأ الخطر، وتساعد على كشف المؤامرات. يُظهر “حسن عبد الكريم” كيف يتفوق بذكائه على الألاعيب التي يمارسها “الأقدام السوداء”، ويكتشف خداعهم للجزائريين في حفارة البترول، ويلمح الكاتب إلى أن هناك محاولات مستمرة لاستهداف مصر في مختلف المجالات، كما يظهر في عرض “ريكي” لـ”حسن” بالعمل معه، مما يعكس محاولات الهيمنة الغربية على مصر.
رغم ارتباط مصطلح “الأقدام السوداء” بأشخاص معينين تاريخيا، إلا أن الكاتب يعمم المصطلح ليشمل كل من يعمل في الظل ضد مصالح الشعوب، في جميع الأزمنة. يظهر ذلك في الحوار بين “حسن” و”العم يزيد” في الطريق من المطار إلى مقر الشركة.
يبعث الكاتب برسالة أن التكاتف بين أبناء الأمة هو السبيل للنجاح والتفوق، كما يظهر في مشهد الختام؛ حيث تتلاحم الأجساد والأفكار أثناء الصلاة، مع التأكيد على الوحدة الإسلامية في محيط تاريخي وأثري.
يؤكد الكاتب أن النجاح والتقدم لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال تمسكنا بقيم الدين، والخلق، والعلم، وهو ما يظهر في مشهد “حسن” وهو يتوجه إلى مكانه المفضل بين المساجد التاريخية في لحظات الأزمة.
يؤكد الكاتب على ضرورة الاستعانة بالشباب وتمكينهم، ويظهر هذا من خلال مشهد النهاية، حيث يقوم شاب في الرواية بمهمة شاقة، مما يعكس إيمان الكاتب بأن الشباب هم أمل الأمة، وعلى الرغم من انتشار الشر، فإن الحب والنقاء يظلان باقيين. يظهر ذلك في علاقة “حسن” و”داليا” التي تنمو رغم الظروف الصعبة.
يظهر أن الأحداث الرئيسية في الرواية تدور في شهر رمضان، وختامها كان في صلاة العيد، مما يشير إلى أن النجاحات الحقيقية ترتبط بالروحانيات والإيمان، ومن خلال حوارات “حسن” مع “يزيد”، يشير الكاتب إلى أهمية الحفاظ على الهوية واللغة كأدوات لتحقيق التقدم، أما الخلافات المفتعلة لا تفسد الحياة، ويتجلى ذلك من خلال مواقف “يزيد” وموقف رجال أمن المطار، حيث يُظهر الكاتب أن الوعي السليم يتجاوز الخلافات المفتعلة التي تزرعها القوى الاستعمارية.
تجسد شخصية “العم يزيد” قيمة التعامل بالفطرة السليمة؛ حيث يمثل الطريق إلى الخلاص من الشر من خلال فطرته النقية وحبه الصادق.
يبرز الكاتب قوة الجزائر العظيمة من خلال وصفه لشخصيات جزائرية تحمل ثروة كبيرة وروح قتالية؛ لأن هذا يعكس إلمامه الكبير بالثقافة الجزائرية، وقيمة الجزائر التي تفطن لمحاولات تفرقة أبنائها، ويظهر ذلك في حوار “العم يزيد” مع “حسن”، حيث تتجلى الوعي الوطني في الجزائر ومحاولة تجنب الفتن والتفرقة بين أبنائها.
ويشير الكاتب إلى أن الفن والجمال لا يتعارضان مع القيم الفطرية والروحية، كما يظهر في استدعاء “حسن” للقصائد الأدبية، مما يعزز التوازن بين الجمال والفطرة.
تجمع الرواية بين عناصر تاريخية، رومانسية، اجتماعية وفلسفية، مما يجعلها عملًا أدبيًا متكاملًا يستحق القراءة والتأمل.














