بقلم: ✍️ د. آية طارق
(مُدرس بقسم الإعلام المسموع والمرئي ـ المعهد الكندي العالى لتكنولوجيا الإعلام الحديث)
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُوزن بالذهب، لم تكن الحروف العربية مجرد رموز تُكتب وتُلفظ، بل كانت تُحسب وتُفسَّر، وتُستخدم في فكّ الأسرار، وتأريخ الحوادث، وحتى في بعض الطقوس الغيبية. وهذا ما يُعرف بـ”علم الحروف والأعداد” أو “حساب الجُمّل”، علمٌ رمزيٌ قديمٌ جمع بين اللغة والعدد، والمعنى والرمز، وشغل الفقهاء والفلاسفة والصوفية عبر القرون.
ويقوم هذا العلم على منح كل حرف قيمة عددية: فالألف (1)، والباء (2)، وهكذا حتى الغين (1000).
وبفضل هذه القيم، استُخدم العلم في صياغة أبيات أو عبارات تحمل دلالة رقمية تُشفّر سنوات معينة، مثل تاريخ بناء مسجد أو وفاة عالم.
ومن أبرز الأمثلة ما نُقش على باب المزينين في الجامع الأزهر: “باب علوم وفخار به يُجاب الدعاء”، والتي تساوي قيمتها العددية 1167 هجريًا، وهى سنة الإنشاء الفعلية، وكذلك في مسجد السلطان قلاوون ومدرسة الأشرفية، حُفرت أبيات تشير إلى التواريخ بطريقة رمزية لا يفهمها إلا من يُجيد هذا العلم.
ولكن مع الوقت، بدأ العلم يُستغل لأغراض مشبوهة، فانزلق إلى عالم الطلاسم والتنجيم، واستخدمه بعض الدجالين في أعمال السحر وتسخير الأرواح، مما جعله محل رفض من العلماء، وأدى إلى إقصائه من التعليم الرسمي، وحصره في زوايا ضيقة من التراث.
ولم يكن الإعلام بمنأى عن هذا التشويه؛ فقد ساهمت السينما والدراما المصرية في ترسيخ صورة سلبية عن علم الحروف، فربطته دوما بالسحر والشعوذة. ففي فيلم “التعويذة” ومسلسل “الرحايا”، وكذلك “الفيل الأزرق”، يظهر المشعوذون وهم يكتبون طلاسم مليئة بالحروف والرموز، ما رسّخ في أذهان الجمهور أن هذا العلم لا يُستخدم إلا في استحضار الجن والتسلط على الناس، فتكرّست صورة مرعبة له في الوعي الشعبي.
والحقيقة أن علم الحروف لم يكن يوما مجرد طلاسم، بل كان وسيلة راقية في التأريخ والزخرفة والتأمل الصوفي.
وظّفه الخطاطون في تزيين الجدران والمصاحف، واستخدمه المؤرخون لتوثيق الأحداث، واعتمده الصوفيون كأداة رمزية للتأمل.
فإنه علم يختصر روح الحضارة الإسلامية التي رأت في الحرف سرا وفي العدد نظاما.
اليوم، ومع تنامي الوعي بأهمية التراث، لا بد من إعادة النظر في هذا العلم، ليس بوصفه وسيلة لمعرفة الغيب، بل كتراث فكري وفني يستحق الاحترام.
وهنا يأتي دور الدراما والسينما في تصحيح الصورة، عبر تقديم علم الحروف في سياقه الحقيقي، كجزء من الهوية الجمالية للحضارة الإسلامية، لا كأداة للشر والخرافة.
فعلم الحروف ليس خرافة، لكنه ليس عصا سحرية أيضا ،فهو جسر بين التاريخ والزخرفة، بين الرمز والمعنى، بين الماضي والوعي. فهل نعيد له مكانته؟ أم نتركه منسيًا كالنقوش التي فقدنا مفتاح قراءتها؟.














