
بقلم احمد محمد علي
ثمة عروض تستعاد لا لتُكرر، بل لتُقرأ من جديد. هكذا بدا الحال مع عرض “أوبريت البروكة” الذي قدم في مكتبة الإسكندرية خلال مايو ٢٠٢٥، مستندا إلى نص فرنسي منسي بعنوان La Mascotte تأليف شيفوديريه، وألحان إدموند أودران. جاءت الترجمة بتوقيع محمود مراد ويوسف حلمي، بينما حملت الرؤية الفنية بصمة المبدع محمد عبد القادر، والإخراج لمهدي السيد. لم يكن العرض مجرد إعادة إحياء لنص قديم من الريpertoire الأوبرالي الفرنسي، بل محاولة ذكية لتوطين هذا النص داخل سياق مصري معاصر كما فعلها سيد درويش منذ اكثر من مائة عام. حيث يلتقي المسرح الغنائي بالفانتازيا السياسية وتنهض الكوميديا لا للتسلية وحدها، بل لتفتح أبواب التأمل.
ما يلفت الانتباه أن عرض أوبريت البروكة لا ينهض على نص طازج أو فكرة مبتكرة، بل على تقاطع تاريخي غني بثلاث محطات: النسخة الأصلية الفرنسية، والنسخة المصرية التي لحنها سيد درويش، وأخيرا النسخة الجديدة التي أعادت قراءتهما معا.
كتب شيفوديريه النص الفرنسي الأصلي في أواخر القرن التاسع عشر، ووضع ألحانه إدموند أودران عام ١٨٨٠، ضمن تقاليد الأوبريت الكوميدي الأوروبي، الذي يسخر من مفاهيم الحظ والسلطة في مجتمعات برجوازية قلقة.
في العشرينيات من القرن العشرين، جرت ترجمة النص حين لحنه سيد درويش، مقدما البروكة في ثوب جديد ينتمي إلى السياق المحلي مع الحفاظ على الطابع الاوربي فى أسماء الشخصيات واماكن الأحداث، حيث تحوّل الفانتازي إلى نقد سياسي واجتماعي. وعلى الرغم من فقدان كثير من تفاصيل تلك النسخة. فإن ألحانها بقيت حاضرة في الوجدان الجمعي، شاهدة على براعة درويش في تطويع الموروث الأوروبي لخدمة تعبير مصري حداثي.
أما النسخة الجديدة التي قدمتها مكتبة الإسكندرية في مايو الجاري فهي لا تستنسخ أيا من النسختين، بل تقيم حوارا بينهما: النص مترجم عن الفرنسية، لكنه مدعوم بألحان سيد درويش، مع توزيع موسيقي حديث وضعه وجدي الفوي ورؤية فنية لمحمد عبد القادر تنأى عن الحنين وتميل إلى التفسير، يكملها إخراج مهدي السيد الذي استثمر عناصر العرض لتوليد تأملات معاصرة في الحظ، والسلطة، والشرعية.
العرض اعتمد كذلك على أداء حي من أوركسترا وكورال مكتبة الإسكندرية بقيادة المايسترو ناير ناجي،تدريب كورال دنيا دغيدي ما أضفى طابعا احتفاليا وحيويًا، وجعل من العرض تجربة سمعية وبصرية نابضة، تدير حوارا خلاقا بين طبقات الزمن.
تدور الحكاية في فضاء شبه أسطوري داخل إيطاليا، عن “روكو” – مزارع بسيط تلاحقه الخيبات – تتغير حياته حين تصل إليه “بتينا”، الخادمة المعروفة بـ”البروكة”، والتي تجلب الحظ لمن ترافقه. سرعان ما يمتد تأثيرها إلى قصر الأمير “لوران”، فتنقلب المصائر، وتتماوج الولاءات، وتنشأ صراعات لا تخلو من العاطفة ولا من السياسة.
لكن المثير أن تلك الحكاية “البسيطة” تحوي في طياتها تأملا في فكرة السلطة الهشة، والمجتمعات التي تفوت فرص الإصلاح وتراهن على “البركة”. وفي هذه النقطة تحديدا، يكمن نجاح العرض في تعامله مع النص كأرض خصبة لتوليد المعنى، لا كمادة جاهزة للاستهلاك.
جاء إخراج مهدي السيد متزنا، يعرف متى يترك للمشهد الكوميدي أن يتنفس، ومتى يحيل اللعبة المسرحية إلى سؤال جاد. استعان برؤية محمد عبد القادر الفنية في ضبط إيقاع العرض، فجاء البناء السردي والبصري دقيقا، دون ادعاء.
استفاد العرض من تصميم ملابس هالة حسن التي وازنت بين التخييل والوظيفة، وديكور وجرافيك عبد المنعم المصري الذي أضفى مساحات من التنقل البصري بين الريف والبلاط، دون أن يخرج من حس الفانتازيا.
“على الرغم من اعتماد النسختين على التصميمات ذاتها في منتصف المسرح، فإن العرض الذي قدم في دار الأوبرا العام الماضي اتسم بثراء بصري أكبر، نتيجة توظيف تصميمات جانبية ساهمت في تعميق البعد الجمالي والدرامي للمشهد المسرحي، وهو ما افتقدته النسخة الحالية التي اكتفت بالاعتماد على الإضاءة كعنصر أساسي لإضفاء هذا البُعد.”
توزيعات وجدي الفوي الموسيقية اضافت بُعدا طربيا محليا، دعمته تصميمات الرقص لعلي يسري التي لم تكن زينة شكلية، بل أداة سردية تضيف وتكشف.
ما ميز الأداء التمثيلي هو هذا التوازن الدقيق بين الروح الجماعية، وبروز الشخصيات الفردية. كل ممثل حمل نصيبه من السرد دون أن يتورط في الاستحواذ.
ليديا لوتشانو في دور بتينا قدّمت شخصية واعية لا تختزل في “الخادمة الحظ”، بل جسّدت حضورًا ناعمًا وقويًا في آن، تعرف كيف تزن خطواتها وسط تقلبات السلطة والعاطفة.
هاني عبد الناصر في دور لوران أعاد تشكيل صورة الحاكم المرتبك الذي يتوسل للقدر، مجسدًا عبث السلطة حين تخلط الإدارة بالأوهام.
عبد العزيز سليمان في دور بيبو – العاشق المتمرّد – قدّم أداء غنائيًا صادقًا، وجسّد بذكاء تلك المساحة الرمادية بين البساطة والتمرد.
محمد التركي في دور روكو، كان بمثابة صدى درامي عميق للحكاية، يحكي من الداخل، ويعبر عن تلك الطبقة التي تعلّق كل آمالها على الحظ، بينما تخشى مواجهته.
كذلك هاجر البدوي فى دور فياميتا ويوسف طارق فى دور فريتللي وبسيم محمد ومحمد نشات وعماد نخلة ومجموعة كورال مكتبة الإسكندرية بقيادة نهال عيد، كارلا كريم ،مها رفعت، روان مجدي، سيمون سمير، محمد الصبان.
وراء الكوميديا البسيطة، يسكن العرض وعي سياسي صامت. منطق السلطة التي تستدعي الأسطورة لتبرير وجودها، والخوف من المرأة كرمز للتحوّل، والعلاقات التي تُبنى على الربح ثم تُختبر في الحب، كلها مؤشرات على مساءلة ناعمة لمفاهيم الحكم، والتغيير، والشرعية.
العرض لم يُسقط هذه الرموز على رؤوس الجمهور، لكنه حملها برشاقة في مشاهد تُضحك وتُفكر، ولا تُعلق شعاراتها في الهواء.
“أوبريت البروكة” ليس عرضا غنائيا فقط، بل عمل يستنطق وجدان الناس، ويُعيد مساءلتهم هل ننتظر الحظ ليصنع مصائرنا، أم نمسك خيوطها بأيدينا؟ في إجابة العرض، لا شيء يحسم غير الحب. ولا شيء يدوم… سوى تلك “البركة” التي تتجدد حين تخرج من الخرافة إلى الفعل.
















