ويتجدد اللقاء مع إبداعات أدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة ،وضيفنا في هذا السطور الكاتب الأديب مدحت الخطيب ،والذي أهدي منصة “المساء والجمهورية أون لاين”،قصته القصيرة“حريق الدور العاشر“.
🍂
حريق الدور العاشر
هنا .. في هذه المنطقة السكنية المكتظة بالسكان، شب حريق مهول في تلك العمارة التي تسمى بعمارة المسك، حيث التهمتها ألسنة اللهب حتى الأدوار العليا، ومعها تصاعدت صرخات الذعر والنداء، وهرع ساكنوها إلى الشوارع لإنقاذ أنفسهم من موت محقق، تاركين مالهم ومتاعهم لنيران جائعة تبحث عن أثاث خشبي، أو مستندات ونقود ورقية، أو جسد بشري، لتشبع جوفها.
هرعوا جميعا إلى الشارع تاركين العمارة للنيران تفعل فيها ما تريد.
كان صوت الحريق عاليا، ولكن كان هناك الأعلى منه.
إنه صراخ سيف.
ذلك الطفل الذي لم يبلغ الخامسة بعد من عمره، حيث كان يقف وحده خلف نافذة شقته الكائنة بالطابق العاشر، فقد خرج والده لعمله قبل أن يستيقظ، وخرجت والدته لتشتري احتياجاته من السوق، وتركاه للدخان يلف جسده النحيل كعباءة قاتلة.
وقف الناس عاجزين، يصرخون ويصورون، ولا أحد قادر على التصرف السريع لينقذ سيف من الموت المحقق، إلى أن شق الصفوف رجل نحيل الجسد، يكسو الشيب رأسه رغم شبابه، اسمه عم مجدي، هو كهربائي بسيط، يسكن في المنزل المقابل، لم يسأل، لم يفكر، فقط بدأ يتسلق المواسير، وينتقل من شرفة لأخرى، حتى وصل إلى الدور العاشر.
حطم زجاج النافذة، وفتحها بيده التي جرحها الزجاج المكسور، دون اكتراث بالدماء التي تنزف منها، فحمل الطفل بذراعيه المرتجفتين، وربطه بحبل ألقاه له أحد الجيران من النافذة المقابلة، ودفعه نحو الأمان، بينما بقي هو للحظات عالقا في اللهب، ليخرج منها بجروح وندوب، لكنها لم تترك في قلبه حسرة، بل نورا خفيا يسكنه.
ومرت السنوات، وتلاشت القصة في زحام الحياة، وتوفيت زوجة عم مجدي، وسافر أبناؤه خارج البلاد بحثا عن الرزق، وتركوه وحيدا في شقته القديمة التي تسكنها الذكريات أكثر من الأثاث.
اشتد المرض على عم مجدي، وضعف، ولم يعد يقو على العمل، فتراكمت عليه الديون، ولم يستطع سداد ايجار الشقة، وكاد المالك يصدر لصالحه حكم باستلام الشقة خالية من الشواغل والأشخاص.
وجلس عم مجدي في شرفته ذات مساء ينظر إلى المدينة الغارقة في أنوار لا تضيء قلبه، وعيناه تدمعان بلا صوت، وسأل نفسه، وهو يمد يده ليلف البطانية على جسده الواهن:
_ هل هكذا هي النهاية؟.
في “بوم تال”، سمع طرقا على بابه، فتعجب، وسأل نفسه:
_ من ذاك الذي تذكرني اليوم؟
فتح بصعوبة، فوجد شابا وسيما يحمل طفلا صغيرا على ذراعه، وعيناه تلمعان بدموع لا تخفى، وقال له بصوت خافت لكنه ثابت:
_ لعلك لا تتذكرني
ولكن على كل حال
أنا الطفل اللي أنقذته من الحريق الذي شب في عمارة المسك قبل ثلاثين سنة، أنا الذي كنت وحدي، وكاد لهيب النار يأكلني، لولا أنك جئت في الوقت المناسب، فسحبتني من بين براثن النار المشتعلة الغاضبة المزمجرة.
صمت قليلا ، ثم أردف:
لم أنسك لحظة رغم أنني سافرت
وخلال الأسبوع المنصرم علمت بحالك، فجئتك، ودفعت عنك الإيجار المتأخر، وسددت لك ايجار سنة قادمة، وجئت لك بخادم أمين يرعاك، ويهتم بك فالخير الذي زرعته قبل زمن، أثمر اليوم وحان لك رؤياه وتذوقه.
انهار عم مجدي باكيا، ليس من الحزن، بل من امتنان يفيض، فقد امتدت يد من الماضي لتسنده في لحظة الانهيار.
وهكذا، عاد الدفء إلى بيت ظنه صاحبه قد جف، وعاد الإيمان إلى قلب ظنه قد خذل.
فالخير وإن تأخر لا يضيع أبدا.














