بقلم ✍️ د.لمياء محسن
( دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام ـ جامعة القاهرة)
هناك لحظات في الحياة لا يعوزنا فيها الحلم، ولا الطاقة، ولا حتى الرغبة… إنما كل ما ينقصنا هو “الخطوة الأولى”.
نقف على أعتاب التغيير كمن يعرف الطريق تمامًا، لكنه لا يجرؤ على السير فيه. لا لأننا لا نثق في الوجهة، بل لأننا نخشى المجهول الذي يبدأ مع أول حركة.
ليست عقدة البدايات ضعفا، بل أحيانًا تكون فائضًا من الوعي… وعبئًا من التجارب القديمة، وخوفًا من تكرار الخسارة، أو رهبة من كسر الصورة التي تعودنا النظر إليها في المرآة.
لماذا إذن تصبح البدايات أصعب اللحظات؟ ولماذا نؤجل أول خطوة، رغم أننا نختنق في أماكننا؟ وما الذي يمكن أن يحررنا من هذا الجمود اللطيف الذي يسحب الحياة من بين أيدينا بهدوء؟ ولنعرف الإجابة، دعنا نسأل أنفسنا ونجيب بصدق على الآتي:
أولاً: هل هو الخوف من التغيير أم الخوف من أنفسنا؟
لا أحد يخشى المجهول بقدر ما يخشى أن يرى نفسه فيه. نحن نؤجل الخطوة الأولى لأننا نعلم أنها ستُخرجنا من النسخة التي اعتدناها حتى لو كانت تستهلكنا.
التغيير يُخيف لأنه يتطلب خيانة مريحة للروتين، ونقضًا لاتفاق غير مكتوب بيننا وبين ضعفنا: “ابقَ كما أنت كي لا تخسر أكثر”.
ثانياً: هل هي ذاكرة الفشل مع تجاربنا القديمة؟
في الخلفية دائمًا أصوات تهمس: “جربتَ من قبل، ولم تنجح”.
يُصبح الفشل ذاكرة تُعيد تشغيل نفسها كلما هممنا ببداية جديدة. حتى لو لم يكن في المحاولة الجديدة ما يشبه القديمة، إلا أن العقل لا يُفرّق أحيانا بين التجربة والجرح.
نحن لا نرفض البداية، بل نرفض الإحساس بالخسارة المحتملة لذلك نظل واقفين.
ثالثاً: هل هو ضغط النجاح: حين تتحوّل البدايات إلى اختبار؟
من تناقضات هذا العصر أن البداية لم تعد مجرد انطلاقة، بل اختبارا عاما للبقاء.
الجميع يراقب، والجميع يُقارن، والجميع ينتظر النتيجة بسرعة.
صار التردد نوعًا من الحماية الذاتية: “طالما لم أبدأ، لا أحد يستطيع محاسبتي”.
والمفارقة أن هذا التردد نفسه هو ما يُعطلنا عن الوصول لما نريده.
إذن ما الحل؟
الحل أحيانا لا يكمن في القوة ولا في التحفيز، بل في التبسيط “خطوة صغيرة لا أكثر”.
بدل أن نبدأ مشروعًا، نبدأ بسطر.
بدل أن نغير حياتنا، نعيد ترتيب يومنا.
نحن لا نحتاج أن نقفز، بل أن نتحرّك. الحركة مهما كانت صغيرة، تُسكت صوت الخوف، وتكسر التجمّد النفسي.
وتذكر ياصديقي دائماً:
أن كل بداية تملك قدرا من الخوف، هذا حتمي. لكنها أيضًا تحمل بين طياتها احتمالا جديدا للحياة.
تذكر دائمًا أن الطريق لا يُفتح كله منذ أول خطوة، لكن هذه الخطوة كفيلة بأن تفتح لك أبواب نفسك.
وإن تعثرتَ في البداية، فذلك لا يُنقص من شجاعتك، بل يُثبت أنك تحاول.
والخطوة التي تخافها اليوم، ستصير غدا هي أول قصة تحكيها عن نجاتك.














