# من أول السطر
مابين الأمس واليوم شهد العالم تجارب مريرة مع النزاعات والحروب، وإختلاق الأزمات تباعا الواحدة تلو الأخرى، وانتهاج أنماط سياسية استعلائية اتخذت أبعادا أممية وأمست تهدد مستقبل الأرض وتنسف جهود الوفاق والسلام.
ورغم تطلعات شعوب المعمورة إلي انتهاء الصراعات المزمنة والمستجدة وإلي هدنة دهرية تتوقف فيها طلقات الرصاص وأصوات المدافع والصواريخ قليلا، ويعلو صوت الحق، لكن الأماني تذهب سريعا أدراج الرياح مع إستمرار آفات القناعات اللامحدودة للدول الكبري الفاعلة وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، في أن مصدر قوتهم هو إضعاف الآخرين والسيطرة عليهم والهيمنة علي مقدراتهم والتحكم في مصائرهم، والإبقاء عليهم في دوائر النكبات والأزمات بكافة صنوفها السياسية والاقتصادية وما يتبعها من موجات تضخم وأحيانا ركود، مع القلق والترقب الدائم والتوجس من المستقبل ضمن استراتيجيات عالم “عدم اليقين” !
وقد أمسي من قبيل العبث والحلم الممنوع التوصل إلي سلام أممي دائم يرتكز إلي قيم العدالة وحقوق الإنسان بحثا عن الحياة الكريمة لأبناء المعمورة في مشارق الأرض ومغاربها، ومستندا إلي علاقات دولية متوازنة ومتكاملة.. لاتعرف الهيمنة، أو الصدام!.
ولعل من الصور الأكثر سوءا للدبلوماسية الحمقاء.. والتي شهدها العالم خلال الآونة الأخيرة.
التمادي في التهديد والوعيد الخفي والمعلن، والتلويح طوال الوقت باستخدام القوة الغاشمة واستعراض العضلات، والتهديد بفرض الرسوم الجمركية وممارسة سياسة الابتزاز والإنتهازية، وهو ما يلقي بآثار وظلال سلبية ومعقدة علي مستقبل العلاقات بين مختلف دول العالم ومن ثم يضع المؤسسات الدولية في ورطة كبيرة مابين الإضطلاع بمهامها وتحقيق العدالة الأممية، أو الانصياع لتوجيهات “الكبار”!.
بصفة عامة يُستخدم مصطلح الدبلوماسية الحمقاء
(Gunboat Diplomacy)
لوصف استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية. ومن أمثلة الدبلوماسية الحمقاء:
ـ الممارسات الاستعمارية، فالدول الاستعمارية تلجأ للقوة العسكرية لتوسيع أراضيها.
ـ الحروب الإمبريالية: والتي خاضتها الدول الإمبريالية لتوسيع نفوذها.
-التدخلات العسكرية، والتي تستخدمها بعض الدول لتحقيق أهدافها.
وقد كشفت بعض الدراسات أن للدبلوماسية الحمقاء تأثيرات مؤلمة من بينها:
ـ استمرار التواترات الدولية والصراعات المسلحة، والاستعداد طوال الوقت للمواجهة.
ـ الخسائر الطبيعية والبيئية والبشرية، حيث تؤدي السياسات الحمقاء في معظم الأحيان إلي خسائر بشرية وطبيعية ضخم، علاوة علي التأثيرات البيئية والمناخية وتدمير الثروات والمقدرات والإخلال بالتوازن البيئي ومتطلبات التنمية المستدامة.
ونظريا وبعيدا عن الواقع فهناك بدائل عملية للدبلوماسية الحمقاء، أهمها الدبلوماسية التفاوضية والوساطة، عن طريق استخدام التفاوض لحل النزاعات، وفقا لآليات منصفة، وهو ما لا تضمنه المؤسسات القانونية الدولية ولا تمتلك سلطة إقراره!.
وهناك التعاون الدولي لحل المشاكل المشتركة، لكنه مرهون طوال الوقت بمدي إرادة القوي الفاعلة وقناعاتها بأن الجميع في مركب واحد ويواجهون مصيرا واحدا.
وبصورة عامة، الدبلوماسية الحمقاء يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة، ومن الاجدي تعزيز آليات المباحثات والمفاوضات ودعم التعاون الدولي في هذا الشأن.
ولعل ما تمارسه الولايات المتحدة بقيادة “ترامب” هو النموذج المعاصر الأمثل للدبلوماسية الحمقاء،
وهي دبلوماسية متقلبة متلونة كالحرباء وفقا للأهواء والمصالح، وهي إحدي صور الدبلوماسية القبيحة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في محاولة لوأد فكرة تعدد الأقطاب وتحجيم القوي السياسية الداعمة للنظام عالمي جديد، وتكريس وإحكام الهيمنة على مصائر الشعوب..
وقد نجحت عبر عدة جولات خلال السنوات الأخيرة في إضعاف الكيانات الاقتصادية الصاعدة وإبقائها في دائرة التبعية والأزمات والقروض!.
وتتحرك السياسات الحمقاء.. في مسارات أممية لضمان التأثير على الجميع، وذلك في إطار عولمة جديدة بمواصفات مغايرة وقوانين مغايرة ترتدي عبثا وبهتانا ثيابا زائفا، كنشر السلام ودعم حقوق الإنسان وحركات الانتقال الديموقراطي، وهي أبعد ما تكون عن القيم والمبادئ ..
إنها دبلوماسية اللحظة التي تتجاوز كل الأعراف والتقاليد الأممية والمعايير الإنسانية..
وفي تقديري أن إعادة تشكيل موازين القوي وإدراك دول المعسكر الشرقي لتلك الحقائق هي نقطة الانطلاق نحو استعادة شيء من العدالة الأممية وسط هذا الزخم الكبير..
ولم تعد فكرة تحجيم هيمنة الدولار والوقوف في وجه فرض رسوم جمركية من آن لآخر دربا من دروب الرفاهية بل صراع وجودي يهدد الأخضر واليابس..
ولعل ما تركته الحرب العبثية الإيرانية الإسرائيلية من رسائل وإشارات خير شاهد دليل علي هذه الممارسات الحمقاء التي تجاوزت حدود الزمان والمكان.
ويبقي التساؤل الأهم..هل هذا النمط من الدبلوماسية القبيحة هو إحدي سيناريوهات استراتيجية ” الفوضي الخلاقة ” التي تستهدف تفتيت معظم الكيانات الوطنية وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتغيير وجه العالم كما صرح بهذا مرارا رئيس وزراء الكيان الصهيوني المحتل..
أتصور أن الإجابة (نعم)، وهذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة !.
ووسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم الضبابية وعدم وضوح الرؤية، أتصور أنه من العبث الإنفتاح المطلق والتسليم بكل ما هو غربي ، أو شرقي .. والأولي التقوقع حول الذات قليلا ، ومراجعة كافة العلاقات الإستراتيجية بدقة وبرؤية شاملة تحصن الهوية وتحافظ علي الخصوصية، والموروثات الحضارية وتصون منجزات الماضي والحاضر وتصنع مستقبل أكثر أمنا وازدهارا.. وإنا لناظرون.
#














