بقلم ✍️ مدحت الشيخ
(كاتب في الشؤون السياسية والاجتماعية)
في عالم تمزقه الحروب، وتُعيد فيه الأزمات رسم خرائط النفوذ، لم يعد مقبولًا أن تبقى الدول النامية – ومنها مصر – أسيرة لاقتصادات الاستيراد، تنتظر ما يجود به الخارج من سلع ومواد أساسية، في وقتٍ تتهاوى فيه سلاسل الإمداد بفعل الصراعات الجيوسياسية، وتعطُّل خطوط الملاحة الدولية، وتقلُّب المزاج السياسي للأسواق العالمية.
ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد اضطرابات عابرة، بل تحوّلات استراتيجية تُهدد استقرار الإقليم بأكمله. ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، وتهديد الملاحة في باب المندب، بات أمن الغذاء والدواء والطاقة قضية بقاء، وليس فقط أولوية اقتصادية.
في هذا السياق، يصبح الإكتفاء الذاتي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. إنه ليس مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، بل مشروع دولة، ومنهج حياة، وركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الحقيقي.
الاكتفاء الذاتي لا يُختزل في إنتاج القمح أو السكر، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من الأرض التي تُزرع، والمصنع الذي يُدار بعقل واعٍ، والبحث العلمي الذي يواكب متغيرات العصر، وتنتهي عند ثقافة مجتمعية تقدّر الإنتاج، وتحترم قيمة العمل.
ولدى مصر من المقومات ما يكفي للانطلاق: ملايين الأفدنة القابلة للزراعة، موارد طبيعية لم تُستغل بعد، عقول شابة تبحث عن فرصة، وموقع جغرافي فريد يمكن أن يكون محورًا للتجارة والتصنيع في المنطقة. لكنّ الإرادة وحدها لا تكفي ما لم تصاحبها خطط تنفيذية واقعية، وسياسات تحفّز الإنتاج المحلي، وتحميه من الإغراق، وتعيد ترتيب الأولويات.
لقد آن الأوان لتنتقل الدولة من مرحلة التوسع في المشروعات إلى تعميق مفهوم الإنتاج الوطني، بحيث يصبح كل جنيه يُنفق في الزراعة أو الصناعة استثمارًا في الاستقلال، وكل فدان يُزرع وكل خط إنتاج يعمل، طوبة في جدار السيادة الاقتصادية.
ففي زمن الأزمات المتلاحقة، من لا يملك قوته لا يملك قراره. ومن لا ينتج دواءه وغذاءه واحتياجاته، سيبقى مرهونا للخارج، مهما كانت قوته الظاهرة.
الاكتفاء الذاتي لم يعد ترفا تنمويا، بل معركة وجود… والانتصار فيها يبدأ من الداخل.













