
بقلم/احمد محمد علي
في لحظة فاصلة بين القرن التاسع عشر والحاضر المتشظي، يُطرح السؤال ذاته مجددا. هل تغيرت صورة المرأة؟ هل تحررت “نورا” من قفصها؟ أم أن القفص ذاته قد تزين، فصار ذهبا لامعا يغوي بالبقاء؟
في عرض بيت لعبة الذي قدم على مسرح قصر ثقافة الأنفوشي ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي – الأقسام والمعاهد المتخصصة – ومن إنتاج نقابة المهن التمثيلية. يستعير المخرج والمعد محمد فريد هيكلا دراميا من نص إبسن” بيت دمية” ويعيد تكوينه على لُحمة الواقع المعاصر، دون أن يُفرط في الأمانة أو يُبالغ في الاجتراح؛ حاول يوسف فؤاد وفريد ان يُمسكا بتلك المنطقة الوسطى التي طالما تفتح مجالا للتأويل النشط.
يعتمد العرض على بنية ثنائية
الأولى: بنية اقتباسية تستند إلى نص “بيت دمية”
الثانية: بنية واقعية حديثة تستبدل القرض والتزوير بعقد عمل مسرحي.
هذا التحويل يحمل في طياته دلالة جوهرة ويؤكد أن المرأة اليوم ما زالت تسعى للاعتراف – لا من القانون فقط – بل من الآخر الأقرب الزوج، الحبيب، المخرج، المجتمع الفني!
نورا هنا ليست ضحية مؤسسة مالية، بل مؤسسة ذوقية – تحكمها أهواء الفن، وقوانين الرجولة التقليدية، وتصورات “الاحتواء” الزوجي.
الكاتب المشارك (يوسف فؤاد) والمخرج (محمد فريد) حاولا ضبط المعادلة الشعورية للنص، ليجعلانه يقف في منطقة دافئة ما بين التحديث والآزلية، بين انتصار الحلم ووجع القرار.
استدراج المعنى عبر الجسد
نلحظ في الأداءات هنا ما يتجاوز الجملة المنطقة إلى ارتعاشة الجسد، وذبذبة الصوت، واتساع العينين.
يسرا المنسي (نورا) أجادت فى أن تُعيد تشكيل الحلم والحيرة في جسد ممثلة تحب الفن وتخشى خيانته، ممثلة تجسد ممثلة – وهنا يتقاطع الدور والشخص والرمز.
محمد فريد (آدم) جسد السلطة الباردة، شخصية تختار الجمود، وتكتفي بالقانون دون روح.
صلاح عبد العزيز (يوسف) اضاف للعالم المسرحي بعدا كوميديا تراجيديا يذكرنا بكائنات كافكا، وهو الأكثر حضورا وتأثيرا.
منة المصري (سارة) تمثل المادية الفاقعة، مفرغة من التعاطف، لكنها دقيقة في رسم هذا الفراغ فى بساطة دون إسراف.
محمد غزاوي (خالد) جسد بمهارة ذلك “الذكوري” الذي يلبس قناع الفن ليعيد إنتاج القهر.
ما جمعهم جميعا هو إيقاع نفسي شديد التوازن فالحوار يبدو أحيانا مرتجلا، لكنه محكوم بنبض داخلي متمكن.
ديكور يصرخ بذوق الأغنياء.. يموت فيه العصفور!!
كما في عروض الواقعية الأوروبية جاء الديكور، فخم، مصقول، أنيق.. لكنه في حقيقته سجن ناعم. حوض السمك!!
السمكة تُحتجز، وتُراقب، وتُحاط بالعناية… حتى تموت!
تماما كما تفعل بعض أشكال “الحب السلطوي” تخنق من فرط الحماية. الإضاءة لأحمد طارق تتأرجح بين الواقعي والتعبيري
تسطع في مشاهد اليوميات،
ثم تنكمش في لحظات الانهيار الداخلي. حتي تلك اللحظة الأشد تعبيرا التي غنى فيها الزوجان “تيجي نسيب” وسط عتمة المسرح إلا من وجهيهما لحظة انسحاب العالم وبقاء الشعور عاريا.
هل يُسمح للفن بأن يكون مبررا للخروج على الأدوار الاجتماعية؟
هل الحرية الفنية، وحدها، كافية لتبرير انهيار الزواج؟


في “بيت الدمية”، كان الطعن في إنسانية نورا سببا كافيا لانسحابها.
أما في “بيت لعبة”، فالدافع أقل حدة، أقل درامية، وربما أقل إقناعا.
ولعل هذا ما يفتح جدلا جديدا هل نحرض المرأة على الهروب؟! أم نحاورها في كيفية البقاء؟
العرض انحاز لاختيار نورا، دون أن يبني الحُجة الكاملة لذلك.
وهنا يتداخل الفن بالرسالة التربوية ليُصبح المسرح ساحة نقاش مفتوح.
تخرج نورا من بيتها، كما خرجت نورا إبسن، لكنها لا تذهب إلى المجهول! بل تعود إلى المسرح – إلى الجمهور – إلى نفسها.
إنها لحظة رمزية تُلخص المعادلة كلها. الفن بيت، لكنه ليس قفصا. البيت قد يكون دمية، لكنه حين يُفتح على المسرح، يتحول إلى لعبة وعِبرة.
قدم بيت لعبة نموذجا لتجديد النص الكلاسيكي دون تفريغه من روحه.
وقد نجح في تقديم معالجة معاصرة فى بعض مستويات العرض وإن تعثر قليلا في بناء الحُجة الأخلاقية التي تؤسس لقرار البطلة النهائي.
لكنه، بهذا، يحقق أحد أهداف المسرح كما أحبها!!
أن يُثير الأسئلة، لا أن يُسلم الإجابات.














