# من أول السطر
منذ بدء الخليقة وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ستظل الأدبيات والقيم الإنسانية هي الحاكمة والضامن الأساسي للحد الأدنى من التوافق الفطري والتعايش العادل بين أبناء المعمورة.
وتتزايد الحاجة لهذه القواعد الحاكمة مع استمرار الموجات العاتية للمدنية الحديثة بما تحمله من متغيرات وقيم مادية وإستهلاكية مستجدة، لم يعتادها الناس ولم يألفوا بعد تأثيراتها السلبية والإيجابية!.
وبعيدا عن اللوائح والقوانين والإجراءات والقرارات، التي هي من صنع البشر، والتي تنظم العلاقة بين الناس في أي دولة يبقي الضمير الإنساني وعبقرية القيم السامية لاحدود لها، ومن الصعب تأطيرها وقولبتها وتحويلها إلى تعليمات “جافة”، وتوجيهات “جامدة” لا تقبل الجدل والتغيير!.
أما مقولة “الإنسانية لا تقنن” تعبر عن فكرة أن المشاعر الإنسانية والتفاعلات العاطفية لا يمكن أن تُقاس أو تُحدد بقواعد أو معايير صارمة، فالإنسانية تتسم بالتنوع، ،الثراء، المرونة والتعقيد، وغالبا ما تتجاوز القواعد والتنظيمات الرسمية.
ووفقا لبعض المحددات العلمية فمفهوم الإنسانية يشمل مجموعة واسعة من المشاعر والتجارب الإنسانية، مثل:
ـ التعاطف: القدرة على فهم ومشاركة مشاعر الآخرين.
-الرحمة: الشعور بالشفقة والرغبة في مساعدة الآخرين.
ـ الحب: المشاعر الإيجابية القوية تجاه الآخرين.
ـ التضامن والتعاون: عن طريق النزوع الدائم نحو دعم والمشاركة في قضايا الآخرين.
وفي عصر هيمنة القيم المادية تؤدي الإنسانية دورا مهما في بناء العلاقات الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي، من خلال التعبير عن المشاعر الإنسانية، وبناء روابط قوية وتعزيز التفاهم المتبادل للأفراد.
ومع ذلك، قد تواجه الإنسانية تحديات في سياق القواعد والتنظيمات الصارمة، مثل:
ـ فقدان الحس الإنساني: حيث تؤدي القواعد الصارمة إلى فقدان المشاعر الإنسانية والتفاعلات العاطفية.
ـ التصنيف والتقنين: قد تؤدي محاولات تقنين الإنسانية إلى تصنيف وتقنين المشاعر الإنسانية، مما قد يقلل من قيمتها وعمقها.
وبصفة عامة، فالإنسانية هي جانب أساسي من التجربة الإنسانية، وتتطلب فهما وتقديرا لتعقيدات المشاعر الإنسانية، بأبعادها النفسية والاجتماعية والوطنية.
وفي اعتقادي أنه إنطلاقا من تلك المرتكزات ومن روح القوانين الإنسانية،فمن الممكن طرح غالبية المشكلات والقضايا للنقاش المجتمعي في سياق عادل عبر نقاط إلتقاء، وقواسم مشتركة، تقودنا في نهاية المطاف لمحطة وصول تلتقي فيها مصالح الجميع، تحت ظلال مسؤولية وطنية، ومن ثم يمكننا الثقة بأنه “بالإمكان أبدع مما كان”!.
وبعيدا عن تلك الأسس المثالية التي نفتقدها. تعالوا نناقش مثالا من واقع الحياه ارتبط بقضية أرقت المصريين دهرا طويلا..
فبعد أن هدأت عاصفة الجدل حول قانون الإيجارات القديمة، وافق البرلمان المصري مؤخرا علي بنوده تمهيدا لإقراره بصورة نهائية وبدء العمل به رسميا..
والحق يقال أن القانون قد تأخرا كثيرا، وقد كان من الأجدي إصداره بالتزامن مع قانون الإيجارات الجديدة، والذي بدأ العمل بعد عام 1996.
وبعيدا عن الجدل الدائر والمراء الذي استعر وقتا طويلاً علي منصات التواصل، تبقي الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن هناك ما يسمى التقييم العادل للقيم الإيجارية، وهي المحطة التي يلتقي فيها الجميع تحقيقا للإنصاف، أو علي الأقل الإقتراب من الواقع، كما أنها تراعي ظروف المستجدات والضغوط الحياتية علي الطرفين المالك والمستأجر.
ومن الومضات الإيجابية الإنسانية التي تواكبت مع صدور القانون وفي ظل حالة الجدل التي أثيرت بعد إقرار مجلس النواب لتعديلات قانون الإيجارات القديمة، برزت رسالة إنسانية نشرها أحد ملاك العقارات القديمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، طمأن خلالها المستأجرين بعدم الخوف من قرارات الإخلاء أو الطرد، مؤكدًا أن “الأرض أرض الله وما مكّن الله فيه خير لكم”.
وجاء في نص الرسالة التي حازت تفاعلا واسعا بين المستخدمين:
“الناس اللي ساكنة إيجار قديم في بيوت الحاج أحمد العطار اللّٰه يرحمه ويغفر له ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنه، مش عايز حد منكوا يخاف.. الأرض أرض اللّٰه وما مكّنا اللّٰه فيه خير لكم.. التجارة مع اللّٰه ربحانة… فالدنيا فانية فكن إنسانا.. وأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر.. وأما بنعمة ربك فحدّث.”
وتداول مستخدمون الرسالة على نطاق واسع، مشيدين بموقف المالك الذي اختار الرحمة والتراحم بدلًا من التهديد أو استغلال القانون، مؤكدين أن “الإنسانية لا تُقنن.
كما أعلن بعض الملاك أنهم لن يجبروا الناس علي التنفيذ الحرفي للقانون، وستكون الزيادة وفقا للتفاهم والتنسيق مع المستأجرين، ووفقا لحالتهم الإجتماعية، ويكفيهم أن أملاكهم قد حررت في نهاية الأمر من قيود القانون القديم بعوارته ومساوئه.
كما تعهد بعض أصحاب العقارات ممن قاموا بتأجير بيوتهم وفقا للقانون الجديد بأنهم ملتزمين بالزيادة السنوية، والتي تتراوح ما بين 10-15%سنويا.
ورغم هذه الصورة المشرقة التي أثلجت صدور الكثير من المصريين، فعلي الجانب الآخر وفي سياق الانتهازية والاستغلال الذي ينتهجه البعض لتعميق الأزمات وتحقيق مكاسب ما أقدم عليه أصحاب الأملاك ممن أجروا عقاراتهم وفقا قانون الإيجارات الجديد، والذي أقر أواخر التسعينيات من زيادة مبالغ فيها وغير عادلة تتجاوز أحيانا الـ40% ، وأقدم معظمهم علي تقليل مدة التعاقد وقصرها علي سنة واحدة لممارسة مزيد من الضغوط على الناس.
وفي تقديري أن قانون الإيجار الجديد كغيره من القوانين ربما لن يصنع العدالة المطلقة، لكنه يقترب كثيرا منها، وسيسهم في تصحيح خطايا أسهمت فيها ظروف وعوامل متعددة ومتشابكة!
وأتصور أن الدولة يجب أن تتدخل من جديد، بحيث لا تتجاوز نسبة الزيادة الـ 10%،أو الـ 15 علي أكثر تقدير، مراعاة للضغوط الإقتصادية، وهي نفس القيمة التي حددتها الحكومة في القانون الجديد للإيجارات القديمة.
ويبقي صوت الضمير الإنساني، وتبقي قيم التكافل والترفق والتراحم والمسؤولية الاجتماعية هي الفيصل في تحديد أنماط العلاقة بين أبناء وطن واحد.
كما أنها الحصن الحصين أمام المتغيرات الرأسمالية وهذا التوحش الحاد، والذي يهدد الأخضر واليابس، ويرتاد قطارا سريعا يدهس كل ما يعترض طريقه، وفي كل الأحوال لا تنسي أنك “إنسان”!.
#.














