»» قراءة نقدية بقلم ✍️
وفاء داري ( باحثة فلسطينية)
ويتجدد اللقاء مع المعين الصافي لأدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة ،ومع نخبة من الأدباء العرب ..وضيفتنا علي بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” الكاتبة الفلسطينية الأديبة وفاء داري ،والتي كتبت مقالا نقديا عن قصة قصيرة للكاتب الأديب نظير شمالي وسمت بعنوان “أنا وأنت والخريف حين أعود وحيدا إلى البيت”،ننشرها عبر هذه السطور
🍂
تُقدم قصة “أنا وأنت والخريف حين أعود وحيدًا إلى البيت” للكاتب نظير شمالي تجربة أدبية فريدة تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتلامس روح القصيدة النثرية العميقة. في هذا العمل، يبرز نظير شمالي ليس كروائي فحسب، بل كشاعر ينسج الكلمات بخيوط من الألم والحنين والتأملات الفلسفية، متأثرا بأسلوبه الشعري الذي يضفي على النص كثافة وجمالاً فائقين. إنه عمل يدعو القارئ إلى رحلة داخلية، حيث تتلاشى الفواصل بين الواقع والذاكرة، وتتجسد المشاعر الإنسانية العميقة في لغة آسرة تخطف الألباب.”
النوع الأدبي: نص أقرب إلى القصيدة النثرية أو النوفيلا الرمزية، يمزج بين السرد التأملي والعمق الفلسفي، ويتجاوز حدود القصة القصيرة التقليدية بفضل كثافته اللغوية وصوره الشعرية.
دلالة العنوان: “أنا وأنت والخريف حين أعود وحيدًا إلى البيت”. عنوان ذو دلالة رمزية عالية، يشير إلى الفقد، الوحدة، وتأملات في زمن مضى (الخريف كرمز للنهاية أو مرحلة انتقالية)، والعودة إلى الذات أو المكان الذي يحمل الذكريات.
الثيمات الرئيسية : الوحدة والفقد، الحنين إلى الماضي والطفولة، صراع الإنسان مع الذات والذاكرة، طبيعة الحب والموت، فلسفة الوجود والغياب، تأثير الزمن على الروح والجسد. باختصار أجاد شمالي وصف الذات والذاكرة في متاهة الخريف في فلسفة الفقد والوحدة. (المعزوفة الأخيرة) ليست مجرد سرد لرحيل، بل هي مرثية جمالية لوجعٍ إنساني نبيل؛ وجع الفقد أمام مرضٍ خبيث يُطفئ الأحلام قبل اكتمالها. اختار الكاتب نظير شمالي أن يمنح شهرزاد صوتًا شعريًا لا يبوح بالمأساة، بل يعيد تأويلها كحلمٍ يتسامى على الألم، ولوحةٍ فلسفية ترقص على حافة النور والغياب. أهمية هذا النص تنبع من تطرقه الصادق والوجداني لقضية مجتمعية حساسة، وهي معاناة المرضى وخاصة الشباب أمام السرطان، وكيف يمكن للأدب أن يتحول إلى شهادة وجدانية تحفظ الذاكرة وتؤرشف الألم بلغة الفن.
الرسالة: القصة تستكشف تعقيدات الوجود البشري من خلال تجربة شخصية عميقة، وتدعو إلى التأمل في الفقد والحنين والبحث عن المعنى في ظل الوحدة. في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى مزيد من الوعي والتعاطف، تأتي هذه القصة لتكون دعوة للإنصات، والتوثيق، ولتجسير المسافة بين التجربة الفردية والوعي الجمعي من خلال قوة السرد.”
الأسلوب الأدبي: لغة شعرية مكثفة، غنية بالصور الحسية والمجازات، ذات طابع تأملي وفلسفي. الجمل طويلة ومتداخلة، تعكس تدفق الوعي الداخلي للشخصية.
التقنيات السردية: يعتمد السرد على (تيار الوعي) بشكل كبير، حيث تتداخل الذكريات بالأفكار والتأملات دون تسلسل زمني خطي. توظيف الرمزية العالية (الخريف، البرتقال، الموسيقى) يثري النص. حيث النص السردي يمهّد بشكل رمزي وعاطفي لحكاية فقدان ومواجهة معاناة عميقة، ويبدو أن القصة تتخذ من “الخريف”، و”العودة وحيدًا”، وحالة “الوداع” إطارًا رمزيًا يعكس تجربة الموت أو الفقد القاسي. في الفقرة الأولى تحديدا، هناك إشارات إلى المرض والموت:
– عبارة مثل *”كطفل عجِزَ برِئٌ أغرقته دماء أمه النازفة”* توحي بعجز وضعف شديدين، كناية عن حالة جسدية متدهورة.
– و”غادرت شهُرزاد الراحلة التي غيبها”، توضح بجلاء أنّ الشخصية المركزية قد توفيت.
– كذلك ذكر “أرض المعركة”، “الجرح”، “شهيدة” كلها قرائن تشير إلى صراع جسدي كبير يمكن فهمه كناية عن صراع مع المرض، وقد يكون السرطان. انتهت بوفاة الشخصية في عمرٍ مبكر والذي حدده الكاتب ” وطوت الخلايا المتوحشة النهمة تسعة وعشرون خريفا”، كذلك مع الحديث عن الطفولة والطهر والوداع.
الشخصيات: الشخصية الرئيسية (الأنا)ضمير المتكلم العالم هي المحور، وهي شخصية تأملية تعيش في ذاكرتها. “شهرازاد” تمثل الحبيبة الغائبة، وهي رمز للماضي الجميل والفقد المؤلم.
نقاط القوة: العمق الفلسفي، اللغة الشعرية البديعة، القدرة على استحضار المشاعر الإنسانية العميقة، بناء عالم داخلي غني للشخصية.
نقاط للتحسين: قد يجد بعض القراء صعوبة في تتبع السرد غير الخطي وكثافة الصور الشعرية، مما قد يجعله أقل سهولة في الاستيعاب المباشر مقارنة بالقصص التقليدية.
وفي الختام، رغم أن هذه القصة قد تكون قديمة في تاريخ كتابتها، إلا أن الأسلوب الذي اعتمده نظير شمالي فيها، بجمعه بين الشعرية المكثفة والعمق الفلسفي وتيار الوعي، يؤكد على أنه كان رائدًا لأسلوب حداثي في الأدب العربي المعاصر. إنها شهادة على أن الإبداع الحقيقي يتخطى حواجز الزمن، وتبقى بصماته مؤثرة وملهمة للأجيال اللاحقة من الكتاب والشعراء.














