كان الطين على أطراف قدميها كأنه وشم لا يمحى لا لأنها كانت تلعب فيه بل لأنها خرجت منه البيت الطيني المنخفض وسط صفوف من البيوت المتلاصقة لا تعرف فيه متى يبدأ يوم أحدهم ومتى ينتهي يوم الآخر البنات فيه لا يسمح لهن بالصوت العالي ولا بالركض في الزقاق ولا حتى بالأحلام كانت فرح بين سبعة إخوة خمسة أولاد وفتاتين وكانت هي الأصغر لكن صراخها حين تضرب لم يكن أصغر أبدا كان يملأ المكان ومع ذلك لا يلتفت له أحد
ثوبها المدرسي القديم كان قد مر عليه جيلان قبل أن يصلها وخياطات أمها على أطرافه تشهد أن اليد التي ربت قد خاطت ودمعت ونامت جائعة ثم عادت وربت من جديد كانوا يفطرون فتات الخبز في الشاي وإذا مر اليوم بسلام وربما عاد الأب من العمل بحفنة رز تقف فرح على طرف السجادة الخشنة وتعد ملاعق العدس وتراقب توزيع اللحم إن وجد رغم أنه لم يكن يصل لصحنها كثيرا
في المدرسة الحكومية لم تكن الألوان كثيرة لكن الفراغ كان واسعا في قلبها تحب القراءة ولا تجد كتابا تحب الغناء ولا يسمح لها تقرأ بصوت خافت في الحمام تحفظ الأغاني القديمة من الراديو وتقلد صوت أم كلثوم في الليل بعد نوم إخوتها وتضع على رأسها طرحة أمها وتخطب لنفسها في المرآة كأنها وزيرة أو رئيسة دولة
لم تكن فرح فتاة عادية كانت تتكلم إلى الأشياء تتكلم إلى الكوب وتكتب على الجدران وتحكي للمرآة عن أحلامها قالت لها المعلمة يوما وهي تسحبها من طرف ذيل ثوبها الممزق أنت غريبة البنات هنا لا يفكرن في السياسة ضحكت فرح وقالت لكن السياسة تفكر فينا كل يوم وهي التي حرمت أمي من العلاج وأبي من العمل وأخي من الكرامة
أول مرة عرفت فيها أن الألم يمكن أن يخزن كان حين أخبرتها جارتهم أن أمها بكت طوال الليل لأنها لم تستطع شراء الدواء لم تكن أمها تشتكي كانت تصمت مثل نساء الطين وتكتم الغصة تحت اللسان حتى لا تفضح الجوع
في سن الرابعة عشرة جاء ابن عمها العائد من الخليج وقال دي تتجوز وتتهدى لم يسأل أحد عن رأيها ولم تجد صوتا لتقول لا زفت في ليل باهت بثوب مستعار ودموع معلقة على حافة الرموش كانت لا تعرف عن الحياة شيئا لا الحب ولا الجسد ولا حتى اسمها حين تنادي نفسها في الليل
كان زوجها رجلا لا يعرف الفرق بين الرجولة والصوت العالي يضربها لأنها نسيت وضع الملح أو لأنها نامت قبله أو لأنها لم تبتسم حين عاد لم تكن ترد لا لأنها ضعيفة بل لأنها كانت تحفظ طاقتها لما بعد كانت تكتب على القصاصات وتخبئها بين ثنايا الوسادة كانت تعد للهروب دون أن تدري تهرب بالفكر أولا ثم بالقلب ثم بخطوات بطيئة
يوما ما دخلت دورة محو الأمية وهي تقرأ وتكتب لكنها أرادت شهادة وهناك عرفت أن النوافذ ليست فقط في الجدران بل في العيون التي ترى وفي العقول التي تدرك كانت تكتب خطابا لكل فتاة تشبهها وتخفيه في درج المعلمة وذات يوم قرأته المعلمة ولم تنم ليلتها قالت لها يا فرح اسمك مش مناسب جواكي وجع يكسر الصخر ردت فرح لكن الطين علمني أطلع ورد من القهر
مرت السنوات وأصرت أن تكمل تعليمها كانت ترضع ابنها وتذاكر تخفي الكتب تحت السرير وتذاكر في المطبخ حين ينام الجميع سخر منها زوجها وصفعها ذات مرة لأنها تأخرت في مراجعة درس لكنها كانت قد تعلمت كيف تتحمل الصفعة ولا تسقط قالت له بهدوء أنا هخلص تعليمي بإيدك أو من غيرك
وحين تخرجت كان ابنها الأول في المدرسة وكانت هي في طريقها لتكون معيدة في الجامعة لم تصدق أمها بكت وقالت أنا خلفت دكتورة وكانت فرح قد قررت ألا تعود إلى الطين بل أن تبني بيوتا لا يظلم فيها أحد
عملت في الصحافة ثم في المنظمات الحقوقية ثم صعدت درجة درجة حتى أصبحت وزيرة في الحكومة الجديدة بعد الثورة كانت تدخل الاجتماعات بثوب بسيط وصوت هادئ لكن كلماتها كانت تزلزل الأرض تحت كراسيهم سألوها مرة في مقابلة ما الذي شكلك قالت صفعة من زوج وصمت أم وجوع كثير وقهر أنثى
لم تنتقم من أحد بل مدت يدها لكل من يشبهها بنت مشغلا لتعليم الفتيات التطريز ومركزا لمحو الأمية ودارا لإيواء المعنفات وأطلقت مبادرة اسمها بنات الطين لا يغرقن
في كل مرة تزور فيها قريتها تركب عربية نقل صغيرة وتجلس وسط النساء في السوق وتشرب الشاي في أكواب قديمة تسأل عن جارتها العجوز وعن الطفلة التي كانت تغني على طرف الساقية تعرف أن الطريق للنجاة ليس نسيان الماضي بل تحويله إلى جسر لا يقع عليه غير الظالمين
كبر أبناؤها وكانوا يفتخرون بأنها أقوى واحدة في البلد ولم تكن تخبرهم عن ليالي الجوع ولا عن الضرب ولا عن الشهادات التي كتبتها على ورق الصحف القديمة كانت فقط تبتسم حين يقال لها حضرتك قدوة وتعود في الليل تخلع حذاءها وتكتب في دفترها بخط صغير
أنا ابنة الطين لكني لا أغرق أنا بنت البكاء لكني أغني الآن أنا كل واحدة ظنها العالم لن تقوم فقامت وعلمتهم كيف تكون الحياة














