بقلم ✍️ د.خلود محمود
(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد الدراسات الأدبية بكينج مريوط )
الحروب المعلوماتية هي عمليات مُمنهجة تُشن في الفضاء الرقمي والمجال الإعلامي لتحقيق أهداف استراتيجية عسكرية، سياسية أو اقتصادية وأحياناً تدمير المجتمع اجتماعياً عبر حملات التشويه، أو السيطرة على أنظمة المعلومات والبيانات والوعي العام للخصم بمجتمع ما ، وفي عصر الانترنت يتم ذلك بسهولة ويسر من خلال منصات التواصل الاجتماعي الذي أصبحت الأداة الأولي لحروب المعلومات وتدمير الأوطان والسيطرة علي عقول أبناء الوطن الواحد بل واستخدامهم كأداة لتدمير أوطانهم.
هذا ناهيك عن تداخلها مع الإرهاب الالكتروني والذي يعني استخدام هجمات رقمية متعمدة (عبر الانترنت ) لخلق ذعر جماعي، تعطيل البنى التحتية الحيوية، أو دعم أهداف أيديولوجية أو سياسية، من خلال استغلال الثغرات في الأنظمة الرقمية بهدف إثارة الرعب النفسي متمثل في تهديدات بتفجير مفخخات عن بُعد عبر، اختراق أنظمة المدن الذكية ، أو تخريب البنى التحتية الحيوية مثل مستشفيات، شبكات كهرباء، أنظمة مياه ، أو العمل علي نشر الأيديولوجيا من خلال اختراق منصات إعلامية لبث رسائل تهديد أو دعاية متطرفة.
والهدف الرئيسي هو تمويل العمليات الإرهابية لسرقة بيانات بنكية أو ابتزاز مؤسسات عبر هجمات الفدية ، والهدف الأكبر هو استقطاب تلك الجماعات للشباب لانضمامهم لها فهي بكل سهولة تستهدف الشاب من منصات التواصل الخاصة به تعرف عنه كامل المعلومات والثغرات وأسلوب التفكير ثم يتم استدراجه من أحد أفرادها بطريقة أو بأخري من خلال تلك المعلومات المباحة علي منصات التواصل الاجتماعي .
إن العلاقة بين الإرهاب الإلكتروني والحروب المعلوماتية تتسم بالتداخل والتعقيد، حيث يشتركان في البيئة الرقمية وأدوات الهجوم ونقاط التشابه فالبيئة المشتركة لكلاهما أنهم يعملان في الفضاء الإلكتروني (الإنترنت، الشبكات، أنظمة الحوسبة) وبنفس الأدوات المتشابهة مثل اختراق الأنظمة (Hacking) وهجمات حجب الخدمة (DDoS) و البرمجيات الخبيثة (الفيروسات، الفدية) والتضليل الإعلامي عبر وسائل التواصل والتهديد للأمن القومي لأن كلاهما يستهدف البنى التحتية الحيوية الطاقة، الصحة، الاتصالات مما يسبب اضطراباً اجتماعياً أو اقتصادياً.
وهنا الكارثة لأن وسائل التواصل الاجتماعي هي السلاح الأكثر فتكاً في العصر الرقمي لأنها تخترق العقول قبل الأنظمة وتُحوّل المدنيين إلى وقود طوعي للصراع (عن طريق المشاركة) فهي ساحة حاسمة في حروب المعلومات والإرهاب الإلكتروني، حيث تُستغل لتنفيذ هجمات نفسية وتضليلية بسرعة وبدون تكاليف للعدو فأدواتها متعددة ونستخدمها جميعاً نشاهد أو نتفاعل معها ونصدقها وأول تلك الأدوات هي الحسابات الوهمية ونشر محتوي مضلل من خلالها علي نطاق واسع نصدقه دون أدني شك بل ونتناقله، وثانيها هي الخوارزميات التفضيلية: ( وهي التي تعرف تفضيلات الفرد في القراءة المشاهدة وغيرها من خلال تحليل كل إجراء بقوم به علي تلك المنصات وإعداد تقرير مفصل عن مفضلات كل فرد ).
ثم تعمل علي تضخيم المحتوى المتطرف أو الكاذب بطريقة أو بأخري عبر فقاعات الترشيح للمشاهدة من خلال “ريلز وفيديو” بمشاهدة خرافية تدفع فضول الأفراد الأخرين لمشاهدة نفس المحتوي الذي يقدم فيه مجموعة من الحقائق وسط أكاذيب كثيرة وتضليل أكثر أو يقدم كامله محتوي مضلل مستخدم بعض الثغرات أو المشكلات التي تواجه المجتمع.
وثالثهما الإعلانات المستهدفة التي توجه رسائل مختلفة لمجموعات ديموغرافية (أي لهم صفات واهتمامات متشابهه ) لتفكيك المجتمع مثل الشحن الطائفي، والأخير والأكثر تداولاً وهو “الهاشتاجات” المتلاعب بها لنشر شائعات عبرها تنتشر كالنار في الهشيم مثل “هاشتاج” المعبر والحرب خلال حرب غزة 2023 التي كانت تستهدف الأمن القومي المصري ، وتجد تلك الفئات الاجرامية من منصات التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لتنفيذ أهدافها لسرعتها فوصول المحتوى لـ 4.9 مليار مستخدم في دقائق هدف جيد ،وتأثر واحد مليار فقط بالمحتوي في دقائق هدف ناجح ، ناهيك عن انعدام الرقابة ف 70% من المحتوى المتطرف لا يُحذف وذلك بحسب تقرير أعدته الأمم المتحدة خلال 2024 بل ويعاد نشره واستخدامه في أوقات أخري ، ولا نغفل التفاعل العاطفي علي تلك المنصات فالمحتوى “المستفز” والجرائم والأشياء غير المقبولة ومألوفة تنتشر بشكل أسرع عن أي محتوي أخر.
إن العصر الحالي تحوّلت فيه الشاشات إلى ساحات حرب والبيانات إلى ذخائر فلم تعد خطورة الإرهاب الإلكتروني وحروب المعلومات تهديدات خفية لا يعرف عنها شئ خلف جدران الحواسب الألية بل إنها اجتاحت العالم اليوم فالمستشفيات والبنوك والشركات وغيرها تُشلُّ أنظمتها الحيوية ببرمجيات الفدية، والمجتمعاتٍ تُفتَت بالشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي هذه الهجمات تجد تحقيق لأهدافها من خلال استغلال ضعفنا الرقمي.
إن الإرهاب الإلكتروني يطعن في سلامة حياتنا اليومية عبر تخريب البنى التحتية والحروب المعلومات التي تشنّها دول بعينها تخترق العقول قبل الأنظمة، باستخدام تضليلٍ إعلامي يُحرّك الخوارزميات لتمزيق النسيج الاجتماعي.
إن وعي المجتمعي هو الدرع الذي سيصد عنا تلك المخاطر فكل نقرة على خبرٍ مزيف، أو تجاهل لتحذير أمني، أو جهل بأساليب التصيّد الاحتيالي، تُغذي هدف تلك الحروب ، وتكمن المواجهة الحقيقية في توعية المجتمع بآليات التلاعب النفسي عبر “السوشيال ميديا”، حتى لا يؤدي بنا عدم الإدراك إلي تحولنا لجنود طوعيين في تلك الحروب ، ولقد أثبتت الأزمات من الحشد ضد مصر في حرب غزة وقبلها إلى انتشار خطاب الكراهية الذي اثبت أن التقنية وحدها عاجزة فالحل الجذري يكمن في بناء “مناعة رقمية” تجعل كل فرد حارساً لفضائه الإلكتروني، قادراً على تمييز الحقائق من الأوهام، مدركاً أن قوة الضوء تكفي لخرق ظلام الحرب المعلوماتية عندما يتسلّح المجتمع بالمعرفة.














