بقلم: شجون حسن
غزة لا تجوع لأن الطعام شح بل لأن العدو قرر أن يترك الأمعاء خاوية حتى الموت في غزة الجوع ليس حالة مؤقتة بل سلاح أكثر قسوة من الرصاص وأكثر خسة من القصف وأكثر بطشًا من السجن الكيان الصهيوني لا يكتفي بتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها ولا باغتيال الأحلام في مهودها بل يمد يده إلى الطعام فيمنعه يراقب الأرغفة وهي تُخبز في الفرن الشعبي ثم يقصفها يمنع دخول شاحنات الغذاء يوقف الإمدادات الإنسانية يمنع الماء عن الأطفال يقطع الكهرباء عن الأفران ثم يرفع صوته للعالم قائلاً ندافع عن أنفسنا أي دفاع هذا الذي يستهدف الملاعق الفارغة أي عدو يُحارب الطفولة بجوعها والأمومة بعجزها والإنسانية بخبزها
الجوع في غزة ليس عارضًا بل خطة خطة ممنهجة لإبادة الحياة لتدمير البنيان والوجدان والبطون خطة تُنفذ ببرود وبغطاء سياسي وبصمت عالمي مدوٍ لا يقل إجرامًا عن القصف ذاته طفل في غزة ينام على صوت المعدة لا على صوت الحكاية أم تغلي الماء لتخدع أبناءها بأنها تطهو شيئًا أب يخرج ليبحث عن علبة تونة فيعود في كفن أليس هذا إعدامًا بطيئًا أليس هذا موتًا جماعيًا مقصودًا هل يحتاج الأمر إلى مزيد من البراهين لنقول إنها إبادة جماعية تمارس تحت عنوان التجويع
حين يُستهدف الناس في طوابير الخبز حين تُقصف سيارات الإغاثة حين يُمنع الدواء عن المصابين حين تُغلق المعابر في وجه الدقيق والحليب حين تموت الرضيعة في حضن أمها جوعًا ويُدفن الشيخ وهو صائم منذ أيام حين تُخطف الحياة في لحظة كان فيها الناس يحلمون فقط بوجبة دافئة فاعلم أن العدو لا يريد الأرض فقط بل يريد دفن الإنسان كاملًا جسدًا وصوتًا وكرامة
غزة صائمة بالإكراه صائمة بالقوة صائمة بالقصف صائمة بالجوع صائمة وهي لا تملك تمرًا ولا لبنًا ولا ماءً صائمة وهي لا تسمع أذانًا ولا ترى غروبًا صائمة وهي تتوسل للسماء خبزًا لا نصرًا فقط خبزًا والمجرم واحد الكيان الصهيوني الذي يستمتع بحصار الأطفال كما يستمتع قاتل بمشهد نزف بطيء يقطع عنهم كل سبل الحياة ثم يتهمهم بأنهم خطر يمنع الحليب ثم يسأل لماذا لا تكبر أطفالهم يغلق المعابر ثم يصرخ لماذا يصرخون
هذا تجويع سياسي مدروس متعمد وهذا الجوع ليس فقرًا بل قتل قتل بطيء قتل بشع قتل لا تُرى دماؤه في اللحظة لكن يُدفن أصحابه صباحًا ومساءً غزة اليوم تُعذب باسم الأمن تُجوع باسم الدفاع تُترك لتنهار كي يقال إنها اختارت السقوط
لكن غزة حتى وهي جائعة لم تسقط حتى وهي محاصرة لم تهن حتى وهي صائمة بلا طعام ما زالت ترفع يديها وتقول اللهم أطعمنا مما عندك فإنهم منعوا عنا كل شيء إلا بابك غزة صائمة لكنها شامخة جائعة لكنها قوية مخذولة من الجميع لكنها لم تخذل نفسها
وإذا كان الجوع يُستخدم كسلاح فغزة اختارت أن تكون كرامتها هي السلاح أن تربط الأمهات بطون الأطفال بضمادات الدعاء أن توزع العائلات الكسرة الواحدة كأنها وليمة أن تموت وهي واقفة أن تصوم دون فجر ولا تتنازل عن الشرف
غزة تصوم والعالم يتفرج غزة تموت من الجوع والعالم يصدر بيانات خجولة غزة تُباد في بطونها ولا أحد يصرخ لكننا نصرخ نكتب نشهد نحمل صوتهم في حروفنا ونقسم أن ما ارتكبه الكيان الصهيوني ليس حصارًا ولا حربًا ولا ردًا على أي شيء بل جريمة كاملة إعدام شعب بالجوع إبادة جماعية تستحق المحاسبة أمام الله أولًا وأمام التاريخ إلى الأبد














