# من أول السطر
سيلاحقهم العار في كل زمان ومكان، سيتوراي “البشر” خلفاء الأرض خجلا من خالقهم عز وجل حين يسألهم الله عما قدموه لأهل فلسطين الجريحة وكل المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي يوم الحاقة وما أدراك ما الحاقة ستلتقي الخصوم أمام محكمة العدل الربانية، وسيتم القصاص الحتمي من الجبارين، وستعود الحقوق لأصحابها ويحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
إنها جريمة عصر التحضر وما بعد العولمة والحداثة فهل يتصور عاقل أن يتخلي نفر من أبناء الأرض عن الحد الأدنى من قيم الرحمة والسماح، حين خلعوا رداء إنسانيتهم، وتحولوا إلي مخلوقات أشبه بالشياطين تخطط لتنفيذ مخطط وحشي محكم، وسيناريو إبادة جماعية في حق شعب مناضل آمن بقضيته، وتنفس الحياة بعزة وكرامة وأنفة، واختار الصمود الأبدي ، حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا!.
إن فلسفة التجويع، التي ينتهجها الصهاينة في غزة علي مرأي ومسمع من العالم الصامت، “استراتيجية قييحة”، وبرعاية أمريكية هي جريمة مكتملة الأركان ومخطط لإستنزاف الإرادة وإنهاك عبقرية الصمود..
إنها سياسة “قذرة” تنتهجها قلوب مريضة، هدفها المعلن تنظيم المساعدات وتحجيم وصولها للمقاومة، وهدفها الخفي وأد القيم وغرس الإحباط، وفرض الإذلال والعقاب الجماعي ونزع الهوية وقتل الروح والأمل عبر مصائد الموت اللا إنسانية!
إنها إحدي فصول السردية الفلسطينية الخالدة، حيث مرارة العودة ومأساة الوجع المقاوم، وضبابية استرداد الزمن الضائع وإعادة تشكيل اللاوعي، وبتر محاولات الرحيل نحو الذات في زمن تشظي الهويات وتردي القناعات!.
وتقطر سردية العزة دما، وألما حين تضيق الخيارات إما الخروج القسري أو الموت كمدا أو جوعا، من شدة البرد القارس، أو تحت لهيب الشمس الحارقة!..
إن رمزية الخلاص لن تتوراي والأمل المؤجل لن يخفت مع وعد الله الحق بالنصر المؤزر ، ولو بعد حين ، بعد أن تكتمل عبثية الإفساد في الأرض وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وتدمير الأخضر واليابس..
إن التجويع الممنهج اجترار لفضاءات النكبه والتيه العمدي، وضياع القضية بين الحوادث الدراماتيكية والحواجز الوجودية والأيديولجية و”اللوغاريتمات” الجيوسياسية، كلها مفردات حزينة شكلت نسيج السردية في حكاية وطن مناضل حتي الرمق الأخير.
ولا أدري ما تنتظر قوي العالم الفاعل، حين ضاعت غزة وسط ملفات النفعية الإمبريالية والمصالح المتشابكة، وحين وقفت مؤسسات العدالة الأممية مكتوفة الأيدي لا تقدم ولا تؤخر ولا تحرك ساكنا واختارت الصمت أو انتظار ما يملي عليها من الكبار “الصغار ” في دنيا تنضح بالكذب والرياء والتلون والخيانة!.
كل المواثيق الدولية معطلة حتي إشعار آخر، حتي ما بقي من قوانين الإنسانية في أجازة “دهرية”، وذهبت حقوق الإنسان أدراج الرياح بلا عودة، ولا عزاء للضمائر الحية و لا لذوي العقول الواعية..!.
كل المواثيق والتعهدات تشي بأن التجويع سلاح محظور دولياً وأن منع المساعدات بحجة تعثر المفاوضات سلاح إبادة يعري النظام العالمي المستسلم “الخانع”، فهذه اتفاقية جنيف الرابعة تلزم سلطة الاحتلال بتوفير احتياجات السكان المدنيين الأساسية.
فالمادة (23) من الإتفاقية تنص على وجوب السماح بحرية مرور جميع رسالات الإمدادات الطبية والأغذية الضرورية، كما أن المادة (55) أيضا من الاتفاقية نفسها تلزم دولة الاحتلال بتزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية.
كما شدد خبراء القانون أن استخدام الجوع كسلاح حرب يُعد جريمة حرب صريحة بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية عندما يكون جزءاً من سياسة ممنهجة واسعة النطاق ضد السكان المدنيين.
ويحظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف صراحة في مادته (54) تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أحياء علي وجه الأرض!.
ومن المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني الفصل التام بين العمل الإنساني والاعتبارات السياسية أو العسكرية، فلا يجوز بأي حال من الأحوال استخدام المساعدات الإنسانية كورقة ضغط أو أداة تفاوضية.
وقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2417 الصادر عام 2018 اعترافاً دولياً بأن الجوع لم يعد أزمة إنسانية فقط، بل جريمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنزاع.
كما أن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني تلزم أطراف النزاع بضمان حرية مرور المساعدات الإنسانية للمدنيين في المناطق المحاصرة..
وإلي متي ينتظر العالم بعد تداول عشرات التقارير لمجلس الأمن الدولي، ومنظمة “هيومن رايتس وتش”، وبرنامج “الأغذية العالمي”، بأن الحصار والتجويع أصبحا استراتيجيات عسكرية “ممنهجة”، تُستخدم لإخضاع المجتمعات عبر تدمير منظومة حياتها اليومية، وليس مجرد آثار جانبية للحرب.
بينما ترد إسرائيل إن هدفها ليس عقاب السكان المدنيين، بل منع حماس من استخدام الموارد “كالطعام والدواء”، لأغراض عسكرية أو كغطاء لـ”النشاطات الإرهابية”.
وبالنظر إلى حوادث التاريخ المتكررة، فالتجويع، خاصة حين يكون منظماً، يُعد جريمة مدانة في القانون الدولي، ويُصنَّف ضمن أساليب الإبادة الجماعية بحسب الاتفاقيات الدولية.
وعبر التاريخ، استُخدم التجويع كسلاح لـ”إخضاع الشعوب”، كما حدث في جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، وفي مجازر الأرمن والآشوريين، ولاحقاً في البوسنة والهرسك، وفي كل حالة، كان الهدف تفكيك النسيج المجتمعي، ودفع السكان إلى النزوح أو الخضوع القسري”.
من منظور تاريخي، يشير باحثون إلى أن التجويع لا يُستخدم فقط كأداة قتل، بل كوسيلة لإعادة رسم الجغرافيا السكانية والسيطرة على القرار السياسي للسكان.
إن المشهد المزري في غزة أمسي صراع يومي من أجل البقاء، فمشاهد التدافع تفوق قسوتها مشاهد القصف، نساء وأطفال وشيوخ يخاطرون بحياتهم في مخاطرات يومية من أجل البقاء.
وفي كل مرة تدخل فيها شاحنات مساعدات، يُسجل سقوط شهداء وإصابات بالعشرات، خاصة في المناطق التي حُددت كمراكز توزيع.
إن منع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة أوالإبقاء عليها في هذه الصورة المهينة جريمة حرب واضحة ودليل دامغ على سياسة ممنهجة للإبادة الجماعية،
إنها كارثة إنسانية منذ عقود، مع انتشار المجاعة وتفشي الأمراض بسبب نقص الغذاء والدواء والمياه..
في تقديري أن ما يحدث في غزة نموذج معاصر للحرب “القذرة” غير العادلة، في مجمل معانيها قبيحة الشكل والمضمون، والتي تنتهك أدنى وأبسط حقوق الإنسان، حيث يقترف الصهاينة ممارسات غير أخلاقية، عبر ترويع وقتل المدنيين والأطفال والنساء، علاوة علي الاغتيالات المتتابعة لرموز المقاومة، وربما تأبي وتترفع “وحوش البرية” عن فعل هذه الجرائم الشاذة!.
بشكل عام، التجويع الممنهج استراتيجية شاذة وقضية إنسانية خطيرة، ومن المهم التعامل معها بطريقة فعالة لحماية السكان المدنيين، وحقهم في الحياة..
لقد لخصت الباحثة “سوزان جورج” الأمريكية الفرنسية الكاتبة في قضايا العدالة الاجتماعية العالمية خلاصة المشهد عبر سطور كتابها “كيف يموت النصف الآخر”، حيث تشرح كيف تسهم المنظومة السياسية العالمية أحياناً في التستر على “جرائم” التجويع أو التقليل من شأنها، ما يُضعف من آليات العدالة الدولية.
وفي كتابها “سياسات التجويع”، تناولت كيف تُمنع منظمات الإغاثة من الوصول إلى المناطق المتضررة أو تُستغل لأغراض سياسية، وتؤكد أن الجوع في كثير من الحالات هو “قرار سياسي”، وليس “كارثة طبيعية.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..
وصدق الله العظيم : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)س 42 ابراهيم.. ولله الأمر من قبل، ومن بعد وهو أحكم الحاكمين!.














