شجون حسن
يا من تسألون عن مصر اسألوا عنها في قلب القدس وفوق ركام غزة وعلى شواهد مقابر الشهداء وفي وجوه الأطفال الذين طعنتهم الحروب فلم تبك لهم الدنيا
اسألوا عنها حيث الجرح الفلسطيني ينزف فتأتونكم الأجوبة دامعة فخورة لا تعرف الإنكار
إنها مصر تلك التي ما استدعتها الأمة في نازلة إلا وجدتها وما ناداها التاريخ في لحظة انكسار إلا لبّت النداء
مصر التي إن ذكرت فلسطين انحنت روحها إجلالا وارتجف قلبها كما يرتجف قلب الأم حين يؤذى ولدها
ليست العلاقة بين مصر وفلسطين من صنع الخطابات ولا من زينة المجالس بل هي وحدة كتبها الدم وزكاها التاريخ وخطتها الجراح
مصر لم تكن يوما مجرد وسيط سياسي بل كانت أختا كبرى وركنا من أركان العدالة لا تهادن في الحق ولا تساوم في الدم ولا تغمض عينها عن مأساة وإن أظلمت الدنيا كلها
في كل حرب على غزة كانت مصر هي أول من ينهض من تحت رماد الدبلوماسية الصامتة تمد يدها إلى الأشقاء ترسل قوافل الغذاء والدواء تفتح مشافيها وتجهز غرفها لاستقبال الجرحى الذين لفظهم العالم وتبكيهم بصمت
كم من رضيع فلسطيني ولد على أرض مصر وكم من شهيد سكن ترابها وكم من معبر أغلقه الآخرون وفتحته مصر بدموعها وقرارها وإرادتها
لم يكن معبر رفح بوابة حدود بل كان شريانا للحياة ووردة أمل تزهر في وجه الموت
في زمن التطبيل الأجوف والمواقف الزائفة بقيت مصر على عهدها تفعل قبل أن تقول وتنقذ قبل أن تشكو وتبني قبل أن تراوغ
وحين استباح المحتل الأرض والسماء كانت مصر تتحرك في صمت العارف وحكمة الكبار تدعو تفاوض تنسق تهدئ وتصر على أن السلام لا يولد من ظلم ولا تستقر الأرض على جراح مفتوحة
على منابر العالم كانت مصر تقول إن فلسطين ليست قضية شعب واحد بل قضية أمة كاملة ولن يكون لنا سلام نحترمه ما لم تحظ فلسطين بحقها الكامل في الأرض والدولة والسيادة
وكم من مرة ارتفعت الأصوات تهتف للسلام وكانت مصر الوحيدة التي تذكر أي سلام يبنى على القهر وأي أمن يولد من بين أنقاض المستشفيات
حينما تفرق الإخوة في البيت الفلسطيني كانت مصر هي الحضن الذي يجمع ولا يفرق تنادي الفصائل من كل صوب كفاكم صراعا فإن المحتل لا يفرق بينكم فلماذا تفعلون
وتقيم الاجتماعات في قلب القاهرة وتغسل جدرانها بلهجة لا تمل إن فلسطين لا تنتصر منقسمة ولا تتحرر ممزقة
في وقت أصبح الدم الفلسطيني عنوانا باهتا في نشرات الأخبار وتحولت القضية إلى مادة تفاوضية بين الأقوياء كانت مصر ما تزال تبكي غزة وتدعو لفلسطين وتعلم أبناءها أن القدس لا تباع وأن الأقصى لا يمس وأن الشهداء لا ينسون
يا فلسطين إن نسيتك العيون فقلوب مصر لا تنساك وإن خانك القريب فمصر لا تخون وإن طال ليلك فمصر هي سراجك وإن انقسم العالم فمصر وحدها لا تنقسم عليك
مصر لا تطلب الشكر ولا تنتظر التصفيق هي تفعل لأنها الأحق بالفعل لأنها قلب نسج من ضمير وصدر يتسع للعالم حين يضيق
فلا تسألوا عن دعمها فهو من تمام عروبتها ولا تندهشوا من وفائها فهو طبعها منذ فجر الخليقة
وإذا أردتم أن تبحثوا عن وطن لم يبع ولا ساوم ولا خان فانظروا إلى مصر واقرأوا على وجهها لن نترك فلسطين ولو سقطت السماء على الأرض














