بقلم ✍️ د. حنان سالم
(دكتوراة الفلسفة المعاصرة كلية الآداب-جامعة العريش)
لطالما عرفنا أن “التعاون” قيمة إنسانية سامية، والبشر بطبيعة الحال مجبولون علي “التكاتف، والتضامن، والتآزر، والتعاطف، والوقوف مع الآخر جنبا إلي جنب”، إلا الخارجون عن الفطرة السوية، وجميعها قيم أخلاقية يجب التحلي بها.
فمنذ بدء الخليقة، وحتي وقتنا هذا يسعي الإنسان لمساعدة نفسه ومساندة غيره، بالمشاركة الفاعلة، والعمل الجماعي، بغرض تحقيق الخير علي الأرض من حيث الأهداف المشتركة، والحياة الاجتماعية العادلة، وتكافؤ الفرص، وتحقيق السعادة والازدهار في المجتمعات. فالإنسان حامل لأمانة التعمير في الأرض وهي سنة الله في الكون.
وقد أمرنا الله في جميع الأديان بالتعاون الأخلاقي النبيل، وإغاثة الناس، تجسيدا للإنسانية والرحمة، وتخفيفا للعبء عن الآخرين، حيث قال تعالى في محكم آياته:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ “.(سورة المائدة: من الآية 2) . فالتعاوُنَ قوّةٌ عُلْوِيَّةٌ تبني الرجالَ، وتبدع الأشياءَ “أحمد شوقي”.
وهذا بدوره يتطلب تعزيز القيم الأخلاقية، وتبني فضائل كالإنصاف والمسؤولية والرحمة، والتسامح، والنزاهة بين أبناء المجتمع الواحد وبخاصة بين أبناءنا الطلاب، من أجل مستقبل مشرق، وبناء مجتمعٍ قائمٍ على علاقاتٍ منسجمة مع الآخرين، وقراراتٍ أخلاقيةٍ، وسلمية في مختلف المواقف.
ومن المتفق عليه أن التعاون أسلوب حياة ترقي به المجتمعات وتزدهر، فهو فلسفة قيمية في حد ذاته. اذ يعزز من تماسك واستقرار المجتمعات، ويجعلها أكثر قدرة علي مواجهة العوائق والتحديات، كما أنه “مفتاح لتحقيق السلم الاجتماعي والتوازن”، علي حد قول فيلسوف التربية ” جون ديوي”.
والمفارقة هنا.. عبر التحولات السريعة لعصر الرقمنة وما ترتب عليه من تغيرات في شتي المجالات. يبقي التغير القيمي الثقافي، مؤشرا خطرا علي الأجيال الحالية، والذي يمثل انتهاكا صارخا للقيم الإنسانية، مما يعكس التصدع العميق في المنظومة الأخلاقية للمجتمعات، ويهدد بدوره أسس التواصل الإنساني والتعاون الأخلاقي بين الناس.
ومن صور التغير القيمي والخلقي تغير المعاني الأخلاقية، والعادات والتقاليد الراسخة منذ سنين، حتي المعتقدات وأساليب التفكير والممارسات والوسائل كلها تبدلت لتواكب البراجماتية الرقمية الجديدة.
وفي هذا الصدد أجد أن التعرض لقيمة “التعاون الجماعي ” وما حدث فيها من تغيرات مع الجيل الحالي- ما يسمي جيل زد الذي يترواح بين أعمار ( ١٤ : ٢٥ ) وما يتداخل معه من أبناء جيل ألفا (١ : ١٥) – أكبر مثال للتحولات والتغيرات التي تطرأ علي معايير السلوك والقيم الأخلاقية في المجتمع، والتي تعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحالية مثل: فيروس كورونا، و التغير المناخي، والحروب الحالية وغيرها..
ووفقا لتلك الظروف تكون القيم لدي هذا الجيل نسبية تتغير من فرد لأخر ومن وقت لاخر حسبما تحقق من مصالح خاصة وفقا ” لمبدأ السفسطة” . فربما يأخذ البعض منهم الأخلاق بعين الاعتبار ويشكلها كيفما يحب. أما الغالبية منهم يتخذ من التكنولوجيا وسيلة لتشكيل قيمهم وسلوكياتهم ولكن بوسائل مختلفة وفقا للمتغيرات العصر.
واتصور أن أفضل مثال للقيم المتغيرة هو ” التعاون الجماعي” في الامتحانات الطلابية بكل المراحل الدراسية، ففي عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي تغير كل شيء حتي وسائل التعاون والمشاركة والتفاعل، ليصبح الغش ” تعاون جماعي “، تولدت الأفكار للغش منها: لجان أولاد الأكابر بتغيير الأكواد وتعديل أرقام الجلوس. وثمة ما يعرف بالقميص الذكي الذي يسمع ويري دون أن يلاحظه المراقب، كذلك الساعات الذكية التي تلتقط صور للامتحانات دون إشارة لذلك، أيضا السماعات هذا العام التي تركب في داخل الأذن ولا يستطيع رؤيتها أحد، ونظارة سمارت وغيرها كثر.. وعندما اكتشف الأمر وارتبك الموقف، فضلا عن التكاليف، وأصبح المعادلة صعبة فلنلجأ إلي ” التعاون الآثم والمشاركة اللأخلاقية داخل وخارج اللجان” بوقاحة واستفزاز غير مبررين دون الالتفات إلي أي اخلاقيات أو قوانين أو ضوابط للجنة الإمتحان.
والأمثلة في ذلك كثيرة كأن نجد بعض طلبة الصف الثالث الإعدادي ممثلة في الطالبة صاحبة ” فيديو الإعدادية ” وطلبة الثانوية العامة هذا العام يطالبون بالتعاون لصالحهم كحق مكتسب، من منظورين مختلفين الأول تعاون المعلم معهم بالمساعدة للغش في الامتحانات من قبيل الرحمة بهم، واذا رفض المعلم لعنوه وارهبوه. أما الثاني مشهد تعاون الطلاب مع بعضهم داخل اللجان من قبيل التضامن للخروج من مأزق الامتحان، ومن يرفض أو يقاوم ينال حظه من سهام السب والقذف أو العنف كما حدث مع الطالب “طه نشأت ” هذا العام في الثانوية العامة، والذي لقي مصيره بالضرب والطعن الحاد نتيجة رفضه لهذا النوع من التعاون اللأخلاقي، فقد انهال عليه زملاءه الغشاشين علي بوابة المدرسة في نهاية الامتحانات انتقاما من أخلاقه وعدم تعاونه، وآل به الحال إلى المستشفي لتلقي العلاج بعد نزيف حاد بالمخ والكثير من الطعنات وضاع مستقبله في سبيل التعاون اللأخلاقي.
أيضا طالب الثانوية الملقب بـ “دحيح الأقصر” الذي يطالب الوزارة بـ “التعاون” معه بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة ذاتها لدخول كلية الطب بمجموع ٧٠% حتي لايضيع مستقبله ويتحول إلى الفشل والضياع. أي منطق هذا الذي يفهم به معني ” التعاون ” ويغير القيم سوي ” الهوي”.
وبالمنطق التربوي الأخلاقي لابد من استنكار مثل هذه المواقف لهذا الجيل ليس بغرض التنمر أو التهميش لهم، ولكن تحفيزا لهم علي تحقيق النجاح الفردي واستحقاق التفوق والتميز بجدارة، وخلق فرص متكافئة لجميع الطلاب، مع تنمية قيمة المسؤلية، وترسيخ العمل بروح الفريق من أجل تحقيق أهداف جماعية مشتركة بعيدا عن المنافسة أو الصراع المدمر.
كل هذا غير مفهوم التعاون كقيمة روحية سامية إلي ” تعاون لا أخلاقي” مدمر . بالرغم من كل هذا إلا أن هذا الجيل يتميز بالذكاء و الطموح الجامح، والإبداع في الوصول إلى حلول لجميع مشكلاته. ولكن سمة أزمة تربوية، مجتمعية، خلقية تقبع خلف منطقهم الذي يُحوّل الحياة إلى أداة، ويُسخّر القيم والأشياء لتحقيق مصالح خاصة دون مبالاة بحقوق غيرهم تحت ذريعة متلازمة الاستحقاق أي ” أنا استحق التقدير والتعاون حتي لو لم يري الآخرون ذلك .
أما الاستحقاق الاخلاقي فهو جوهر النجاح والتميز بجدارة كأن نقول فلان يستحق هذا التكريم أو التميز فهو مفهوم عالي القيمة والجدارة وليس مفهوم للسخرية أو التشبث بالسلبية، واللأخلاق.
وبهذا يتغير معني الاستحقاق ايضا فيصبح استحقار لمن حوله اذا لم يحقق له مطلبه وهذا يؤدي بدوره إلي الشعور بالاستعلاء الذي يؤدي بصاحبه إلي الاستعجال فيما يستحق وتنتهي به هذه المشاعر إلي ” اللا شيء ” أو إلي نهاية لا يحبها ولا يستحقها .
ختاما أهدى هذه السطور إلى كل من يؤمن بأن التعاون أفضل من التناحر ..
إلى كل من يؤمن بأن الأقوام المتعاونة لا تذل ..
إلى كل من يؤمن بالتفكير المشترك والعمل الجماعي الأخلاقي..إلى حملة الفكر التعاوني الإيجابي في العالم.














