بقلم ✍️ د. لمياء محسن
( دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)
هل تخيلت يومًا أن غرفة صغيرة، بلا إضاءة محترفة ولا كاميرات باهظة، تتحول إلى بوابة لنجومية مزيفة تغيّر حياة صاحبها بين ليلة وضحاها؟ هذا ما فعله تيك توك.
منصة بدأت كمساحة للترفيه الخفيف، فإذا بها تتحول إلى مستنقع مفتوح، تتدفق فيه كل أشكال الفوضى الأخلاقية والاجتماعية، بلا ضابط ولا رابط. يطفو فيه كل من لم يكن له مكان تحت الشمس. وجوه لم يكن يعرفها أحد، وجدت طريقها للظهور في هذا الفضاء إلى ملايين البيوت بلا استئذان، فاستغلوا كل ما هو مباح وغير مباح.
كشف ستر البيوت صار مشهدا يوميا، الألفاظ الخارجة أصبحت لغة التواصل، القيم اختلت حتى لم نعد نعرف الفرق بين الجد والهزل، ولا بين الموهبة والابتذال.
صحيح أني لا أنكر أن المنصة أظهرت – ولو نادرًا – ومضات جميلة. شاب علم الناس حيلة نافعة، أو فتاة أطلقت مبادرة إنسانية، أو معلم أوصل علمًا إلى من يحتاجه. لكنها ومضات قصيرة، تضيع وسط سيلٍ جارف من التفاهة والضوضاء.
لم نعد في زمن العلم ولا في زمن الشهادات. ولم يعد الأمر يتعلق بالموهبة أو حتى بالاجتهاد، أصبح “الترند” هو المقياس، والمشاهدات هي العملة، و “كَبّس… كَبّس… كَبّس” هي الشعار. ومن لم يلحق بقطار الترند، فاته أن يُرى أو يُسمع. مقطع فيديو عابر قد يصبح المفتاح الذهبي الذي يفتح أمامك أبواب المال والشهرة والنفوذ. بينما آلاف الخريجين وأصحاب الكفاءات يجلسون على الهامش بلا فرصة.
الصدمة الأكبر أن التلفزيون، الذي كان يومًا ساحة نخبة الفكر والثقافة والإعلام، لم يصمد أمام هذا الزحف بل استسلم. صار هو الآخر تابعًا لهذا المستنقع بين الحين والآخر، لم يكتفِ بالمشاهدة، بل استقطب “نجوم” تيك توك، وصنع منهم ضيوفًا، ليضمن لنفسه نصيبًا من كعكة الترند. والنتيجة: إعلام بلا مهنية، بلا رسالة، بلا احترام لعقل المشاهد.
لكن، هل الذنب ذنب هؤلاء “النجوم” وحدهم؟
الحقيقة أن اللوم الأكبر علينا نحن. نحن من صنعناهم بمتابعتنا، نحن من كبسنا لهم، نحن من رفعناهم إلى قمة لا يستحقونها، ثم عدنا لنشتكي ونصرخ: “شوّهوا صورتنا” و”سوقوا سمعتنا”.
أي ازدواجية أكبر من هذه؟ ازدواجية في المعايير، وانفصام في الرؤية، وتناقض في المواقف. نحن من فتح لهم الأبواب، ونحن من أوصلناهم إلى القمة، ثم نحن من نلعنهم على المقاهي وفي المجالس.
إن تيك توك لم يهبط علينا من السماء، نحن من صنعناه بمشاهداتنا، نحن من غذيناه بوقتِنا وانتباهنا، نحن من سمحنا له أن يغير شكل المجتمع. حتى أن الأجيال الناشئة باتت ترى في هذه النماذج قدوة، لا لشيء إلا لأنها مشهورة وغنية بشكل سريع وبلا جهد حقيقي يُذكر. فاختلطت عندهم صورة النجاح بصورة الترند، وضاعت الحدود بين القيمة والفراغ.
إن السؤال الذي علينا أن نطرحه على أنفسنا ليس:
“لماذا صاروا نجومًا؟” … بل: “لماذا سمحنا نحن بأن يكونوا كذلك؟”
هل نحن حقًا غاضبون من نجوم التيك توك؟ … أم أننا غاضبون من أنفسنا، لأننا لم نعد نملك الجرأة أن نتمسك بالقيم في زمن يعبد المشاهدات؟.
وهل نحن مستعدون أن ندفع ثمن هذا الاختيار على المدي البعيد؟.














