
جروان قرية صغيرة تتبع مركز الباجور بمحافظة المنوفية، ولأنها بلا بيت أو قصر للقافة، فقد أخذت إحدى فتياتها( آيات عبد الدايم) على عاتقها وبمساعدة بعض المتحمسين من أهالي القرية، إنشاء مركز جروان للثقافة والفنون.
هو مكان بسيط وإمكاناته محدودة، لكنه تحول إلى مؤسسة ثقافية وفنية فاعلة، لم يقتصر تأثيرها على محيط القرية فحسب، بل امتد وتوسع، حتى صار محط أنظار عشرات المثقفين والكتاب في مصر كلها، وتناوله عدد منهم في مقالاته.
تبنت آيات عبد الدايم أيضا مبادرة مهمة أطلقت عليها “حكايات بلدنا ” تستهدف إتاحة مساحة تعبير ثقافي وفني آمنة لسيدات القرية، وتتبع المخزون الثقافي للبيئة ومجتمع القرية
باكورة أعمال هذه المبادرة كانت عرض حكي بعنوان ” أفراح جروان” الذي يتناول تراث الأفراح في هذه القرية.
أمضت آيات عبد الدايم ، كما تقول ، حوالي ثلاث سنوات في البحث الميداني لجمع هذا التراث، من عجائز القرية، وتصنيفه وارشفته، فهي ترى أن الباحثين اهتموا أكثر بتراث الصعيد والمناطق الحدودية مثل سيناء وسيوة والوادي الجديد، في حين تم إغفال تراث الدلتا، التي تضم حوالي إثنين وأربعين في المائة من سكان مصر.

نظمت آيات عبد الدايم ورشة حكي في مركز جروان للثقافة والفنون، مستعينة بمدربة حكي (يسرا عبد الفتاح) وانضمت إليها مجموعة من السيدات والفتيات، منهن من حافظات التراث منيرة عمارة وسمرة عبد ربه، أما الحكاءات فهن: رجاء أبو حسين، شيماء طه، دعاء طه،. مها فاروق، مشيرة نصار، آلاء عبد الدايم، رهام الدويك.
جميعهن موظفات أو طالبات أو سيدات بيوت، أي أن عملهن هنا يندرج تحت بند الهواية، لممارسة نشاط ثقافي وفني آمن، يوثقن من خلاله لتراث قريتهن، وحسنا أن تفهمت أسرهن هذه المهمة الحضارية وشجعتهن على خوضها، ما يعكس وعي هذه الأسر وتفهمها لقيمة وأهمية ما تقدمه سيداتها وبناتها، وياليت هذا الوعي يتسرب إلى قرى ونجوع مصر كلها، فمثل هذه الأنشطة المستنيرة من شأنها أن تجعل مصر اجمل وأكثر أمنا وأمانا.

نتاج هذه الورشة كان عرض حكي يتضمن 12 حكاية عن الأفراح وطقوسها في جروان، وفق ترتيب زمني يبدأ بالقديم وينتهي بالحديث.
هذا العرض استضافة مركز بساط الثقافي التابع لجمعية شباب فرسان للأنشطة الخيرية بحدائق القبة، وذلك في ختام معرضه للكتاب، وعلى مدى أكثر من ساعة قدمت السيدات والفتيات مجموعة من الحكايات التي تناولت طقوس الأفراح في جروان، مصحوبة بمجموعة من الاغاني شديدة الجمال، بدون آلات موسيقية سوى الطبلة، التي لايستخدم غيرها في تلك الأفراح.
لم يقتصر الحكي على طقوس الأفراح في القرية فحسب بل تعداه إلى ممارسات أخرى تختص بالمهور وطقوس الصباحية و الخبيز وغيرها، وكذلك عرج على الأفراح القاهرية التي كان أحد طرفيها إبن من أبناء القرية، وذلك لتوضيح بعض الفروق بين ما يحدث في القرية سواء على مستوى الطقوس أو على مستوى الازياء، وربما أيضا توضيح صدمة بعض بنات القرية من مظاهر افراح القاهرة ووجود راقصة أو ما شابه، وغيرها من المفارقات اللطيفة.
ولأننا أمام مجموعة من الهاويات، فلابد أن تتجاوز عن بعض الهنات البسيطة التي تسببها قلة الخبرة، مثل الخجل الذي كان ينتاب بعضهن أحيانا في مواجهة الجمهور ، أو بعض الارتباكات المرتبطة بإيقاع العرض، أو طريقة الحكي نفسها التي تحتاج إلى تنظيم التنفس وضبط مخارج الحروف، لكننا في النهاية أمام عرض ممتع ومختلف ومدهش، خاصة أنه يحدثنا عما لانعرف، ومن هنا تأتي دهشته وامتاعه.
تجربة ” افراح جروان” تجربة رائدة في محافظات الدلتا، ليتها تمتد إلى كل القرى، التي لاشك لديها مخزونها التراثي الذي لا يعرف احد عنه شيئا، واظن أن هذه المبادرات جديرة باهتمام المسئولين والأجهزة الثقافية والإعلامية، سواء بالدعم أو بالتوثيق، وربما جاءت مبادرة التعاون الوحيدة التي حدثت، في حدود معلوماتي، من المركز القومي لثقافة الطفل أثناء رئاسة الكاتب محمد ناصف له، ولا أدرى هل هي مستمرة ام توقفت برحيله عن المركز.
هذه المبادرة بمثابة مشروع قومي للحفاظ على التراث والهوية، فضلاً عن أنها أفضل وسيلة لإشاعة الاستنارة ومواجهة الأفكار الهدامة..التفتوا إلى هؤلاء السيدات والفتيات فمثلهن قادر، بإمكانات بسيطة جدا، على تقديم ماينفع الناس والوطن.
يسري حسان يكتب: اعملوا زي بنات وولاد قرية جروان مركز الباجور منوفية














