بقلم: شجون حسن
كانت السماء تمطر بخفة فوق النوافذ الزجاجية حين ولدت فيولا، كأنّ السماء اختارت أن تغسل وجه الأرض لاستقبالها. بيتها في ضاحية من ضواحي الإسكندرية كان دافئًا رغم البرد، مضيئًا رغم الغيم، تملأه تراتيل الفجر وأصوات الأجراس وهدير البحر البعيد.
فيولا كانت وحيدة أبويها، ثمرة قلبين التقيا في زمن طيب، وعاشا عمرًا من المحبة البسيطة الخالية من التصنع. أبوها، الأستاذ جبران، رجل وديع الطبع، محبّ للكتب والموسيقى، . وأمها، السيدة مريم، كانت تراها أعجوبة القدر، تهدهدها وتغني لها لم تعرف فيولا قسوة البيت أبدًا، بل عرفت دفء الكلمات، ورائحة القهوة وقت المطر، وحضنًا لا يخون حين ترتجف الأصابع من الخوف.
كانت طفلة جميلة كأنها صورة من كتاب قديم، بعينين زرقاوين كصفاء السماء بعد العاصفة، وشعر ذهبي يلتف حول وجهها مثل هالة من نور. تتكلم برقة، وتضحك بخجل، وتمشي على أطراف أصابعها كأنها تخشى أن توقظ العالم من حلمه. كانت تغزل فساتين لعرائس القماش، وترتب الكتب حسب لونها، وتؤمن أن الزهور تفهم الكلام.
كبرت فيولا، وكبر معها الحُلم. كانت متفوقة، بل كانت الأولى دائمًا، تكتب إنشائها بروح شاعرة وتشرح العلوم كأنها تروي حكاية. وكانت حين تتكلم عن النجوم، تلمع عيناها أكثر منها. قال عنها أستاذ الفيزياء: “فيولا لا تذاكر، بل تتنفس العلم”.
وفي الجامعة، لمع اسمها، وحين وقفت يومًا في مدرج واسع تشرح مشروعها عن الطاقة النظيفة، ساد الصمت، وخيّم الانبهار. اختيرت ضمن بعثة إلى فرنسا، وهناك بدأت أولى خطواتها نحو الحلم الأكبر.
لكن القلب لم يكن غافلًا.
دخل الحب حياتها من باب ناعم، كنسمة خريف لا تعلن عن نفسها، رجل مصري يعمل في السلك الدبلوماسي، وسيم، لبق، ذو حضور طاغٍ. التقيا في ندوة علمية بالقاهرة، فتحدّث إليها حديثًا لا يُنسى. أحبّته، وصدّقت أن روحها أخيرًا وجدت ملاذها. كانت تكتب له رسائل طويلة وتشعر أنه قدَرها المرسوم.
ولم يكن الأمر وهمًا فقط، بل طلب يدها، وحددوا موعد الزفاف، وبدأت فيولا ترتّب فستانها الأبيض بروح من تصلي في العيد. كانت تحلم أن ترقص معه رقصة العمر على أنغام تشايكوفسكي، أن تزرع بيتًا صغيرًا في الإسكندرية، وتقرأ له آخر ما اكتشفته في معاملها.
لكن الله لا يعطينا كل ما نحب…
وقبل الزفاف بأيام، وقفت فيولا أمام مرآتها، تفتش في عينيها عن الطمأنينة فلم تجدها. تذكرت كلماته التي تبدو دائمًا مرسومة بعناية، لكنها خالية من حرارة الاندهاش، خالية من الانبهار بها كأنثى وكعالِمة. كانت تُحدّثه عن اكتشاف، فيقول “جميل”، وتحكي له عن ألم، فيرد “ربنا معاكِ”.
ذلك المساء، دخلت الكنيسة الخالية وجلست تبكي. شعرت أن هذا الرجل لا يرى فيها شيئًا سوى صورة اجتماعية، لا يحبها حقًا، لا يلمس أعماقها، لا يعرف ماذا تعني عندما تقول “أخاف أن أُحب أكثر مما ينبغي”.
وفي صباح اليوم التالي، كتبت له رسالة بخط يدها، وقالت فيها:
“أنا آسفة… لا أستطيع أن أضع قلبي في يد من لا يشعر بنبضه.”
لم تذهب إلى الفرح. لم ترتدِ الفستان. لم تندم.
اختارت طريقها.
سافرت إلى سويسرا بمنحة دولية، وأصبحت جزءًا من فريق بحثي عالمي في فيزياء الجسيمات. نُشرت أبحاثها، وتلقّت جوائز، ووقفت في الأمم المتحدة تتحدث عن دور المرأة في العلوم، وقوبلت كلماتها بتصفيق لا ينتهي.
كانت تُحاضر، تُسافر، تكتب، تُحب الناس وتساعد الغرباء، تعلّمت أن توزّع قلبها على الضعفاء كأنها تعتذر عن حب لم يكتمل.
وفي أحد مؤتمرات الذكاء الاصطناعي في كندا، تعرّفت على “كريستوف”، عالم نمساوي الأصل، هادئ كالماء، يُصغي بانتباه كأن كل حرف منها كنز. أحبها منذ اللحظة الأولى، لا لجمالها فقط، بل لروحها النبيلة، لعقلها المتوهج، لكونها فيولا… التي لم تكسرها خيبة.
قال لها يومًا:
“أنتِ لا تشبهين النساء يا فيولا، أنتِ تشبهين المعجزات الصغيرة التي تمر بنا فجأة.”
تزوّجا علي حديقة تطل على بحيرة. لم يكن حفلًا ضخمًا، لكنه كان دافئًا كأن الملائكة تُرتّل فيه. عادت إلى مصر بعد سنوات، تحمل وسامًا دوليًا، وزوجًا يحبها، وذكرى قديمة غفرت لها الزمن.
وقفت فيولا ذات مساء على شاطئ البحر، تحمل فنجان قهوتها وتبتسم.
لم تعد حزينة. لم تعد غاضبة. فقط فهمت أن بعض الورود تتأخر عن الربيع… لكنها إن أزهرت، عوّضت العمر كله.














