✍️ شجون حسن
في زقاق ضيق على اطراف المدينة حيث تتشابك البيوت الطينية كاسرار تخبأ في دفاتر الزمن ولدّت فريال طفلة تحمل في عينيها حكاية اعمق من دموع الليل كان البيت يئن تحت وطأة الزمن جدرانه مشققة تحكي عن سنوات الحرمان والخذلان.
كانت فريال تصحو كل صباح على صوت امها الخافت تتابع انفاس والدها الممزقة بالمرض ويدها الصغيرة تلمس كف امها المتعبة تحاول ان تمتص من دفئه قليلا لكنه كان يذوب كشمع في يد الزمن القاسي.
تخرجت خطواتها الصغيرة في ازقة التراب البارد تجر خلفها حقيبة مهترئة حافية اقدامها تلامس الارض الباردة لكنها لا تخشى الطين ولا الصخور التي تصادفها فهي تمشي في طريق لا تعرفه الا النساء الصامدات.
في المدرسة جلست في الصف الاخير تراقب زميلاتها باحذيتهم الجديدة ودفاترهم الملونة وتحاول ان تلتقط من الحصة شعاع امل ينسها عتمة بيتها كانت تقرأ بشغف تغوص في الكتب كما يغوص العطشان في البئر تعلم ان العلم هو طريقها للخلاص.
حين اشتد المرض على والدها زادت المسؤوليات وقفت فريال بين الحياة والموت تدير البيت وتعتني باخوتها الصغار وتعمل في سوق الخضار تبيع وتحسب وتحاول ان تجد مكانا صغيرا في هذا العالم الكبير.
حين فارق والدها الحياة شعرت وكان الارض قد انفتحت لتبتلعها لكنها لم تترك الدموع تملأ عينيها بل رفعتهن نحو السماء قائلة لن اسمح للحزن ان يقتلني ساصمد لاجلنا جميعا.
تركت الدراسة وبدأت رحلة العمل الطويلة حيث عرفت ان الحياة ليست الا معركة لا تنتهي من خياطة متعبة في ورش صغيرة الى بائعة في متاجر متواضعة كانت فريال تحارب الجوع والعتمة بخيط الصبر وجرح الزمن.
لم تخل ايامها من الالم لكن كان هناك شيء في قلبها لا يموت كانت تذكر كلمات امها الصبر مفتاح الفرج مع كل عمل جديد كانت تبني جسرا صغيرا نحو مستقبل افضل.
مرت سنوات وجاءت عواصف الحب والعلاقات التي لم تحمل سوى الجراح وقعت في ايد لم تحترم قلبها وفي عيون لم تقدر دموعها ولكنها بقيت صامدة تحمي قلبها كقلعة لا تهدم.
وفي لحظة ضعف تزوجت رجلا لم تحبه كان الفقر زاده المشترك والزواج سبيلها الوحيد للهروب من وحشة الوحدة انجبت منه اربعة اولاد صارت اما لا تعرف الراحة تحنو عليهم كأميرة تحرس مملكتها الصغيرة.
مرت السنوات وزاد عبء الحياة حتى قررت ان تنهى زواجا ملأته الصمت والبرد خرجت من تلك العلاقة وهي تحمي احلام اولادها وتزرع فيهم قوة لم تجدها لنفسها.
صارت فريال تنهض كل صباح لتحضن اولادها تنسج لهم من حنانها مأوى لا تخرقه رياح الحياة كانت تغيب عن نفسها لتكون كل شيء لهم اما اختا صديقة وكأنها تزرع فيهم امالا لا تموت.
عرفت طعم الجوع مرارا ولكنها لم تعرف طعم الاستسلام كانت تضحي بكل شيء حتى لو كلفها ذلك اعمارها وصحتها كان البيت يعج بالحب رغم غياب الاب وكانت ابتسامات اولادها وقودها في ليالي الوحدة.
مرت السنوات وكبر الاولاد وبدأت فريال ترى ثمار تعبها وهي تشاهدهم يحققون احلامهم يرفعون رأسها فوق كل عاصفة كان فخرها بهم يملأ عينيها بالدموع دموع لم تعد من حزن بل من فرح يصعب وصفه.
في سنواتها الهادئة وجدت فريال نفسها تلتقي برجل مختلف رجل يحمل في عينيه بريق امل ويدا تمتد برقة تحملها الى عالم جديد من المشاعر كان حبا جاء متاخرا لكنه ملأ قلبها بالعاطفة والدفء
عاشت اياما قصيرة من سعادة عذبة تحلم بغد اجمل الا ان الحقيقة المرة انتظرتها حين اكتشفت ان الرجل متزوج وان حبها كان سرا لا يشاركه معها إلا الالم.
اختارت ان تحفظ كرامتها وان تبتعد رغم وجع الفراق فاختارت ان تبقى وفية لنفسها ولأولادها الذين كانوا اغلى ما تملك.
جلست فريال في شرفة بيتها تنظر الى القمر الذي يسطع في سماء الليل بوجهه البارد الذي لا يبتسم للفقراء لكنها ابتسمت له بخفة وقالت لنفسها ربما لا يبتسم القمر لنا لكنني سأضيء حياتي بنور داخلي لا يخبو.
علمت ان الحياة قد لا تكون عادلة لكنها عرفت كيف تكون قوية وكيف تصنع من الالم شعاعا يضيء دروبها وكيف تصنع من نفسها قصة صمود وكرامة.
وعندما تنظر إلى اولادها واحفادها ترى في عيونهم بريق الامل الذي زرعته في قلبها فتبتسم لان القمر رغم قسوته كان شاهدا على رحلة امرأة لم تهنأ طيلة حياتها.














