من المدهش أن ينجح المسرح، وهو فن يُفترض أنه يقوم على الإتقان والانضباط، في تحويل الخطر إلى رفيق دائم لكل عرض. فلو قُدر لزائر من كوكب آخر أن يشاهد مسرحية مصرية من خلف الكواليس، لظن أننا نُجري مسابقة سرية من يستطيع أن ينجو من البروفات والعروض بأقل عدد من الإصابات ربما يفوز بفنجان من القهوة!
لقد أجريت استبيانا تفاعليا معه ١١٧ من الممارسين المسرحيين، وكانت النتيجة شديدة البلاغة في فصاحتها ٧٤٪ لم يتلقوا تدريبا في السلامة المسرحية، و٨٥٪ لا يعرفون إن كان هناك شخص مسؤول عن السلامة أصلا أم لا، وأكثر من نصفهم يجهلون أماكن طفايات الحريق وخطة الإخلاء والطوارئ، ٢٣٪ منهم تعرضوا بالفعل لإصابات وحوادث. هذه ليست أرقاما، بل شواهد على أننا نتعامل مع الخطر كما يتعامل البعض مع الطقس أمر واقع، يشتكون منه أحيانا، لكن لا أحد يفكر في تغييره!
العجيب أن المسرح، وهو عمل جماعي معقد، يمكنه أن يستغني عن وجود لجنة سلامة أو حتى ورقة واحدة تشرح إجراءات الطوارئ، بينما لا تستطيع أي ورشة نجارة أو مصنع بسيط أن يفعل ذلك دون أن يُغلق فورا بحكم القانون. لكننا، بفضل عبقريتنا المحلية، نعامل الإبداع كأنه جواز مرور يعفي من الالتزام بالمعايير.
إن غياب السلامة لا يؤثر على الفن من باب “الرفاهية” كما قد يتوهم البعض، ولكنه يضرب صميم جودته. فالممثل الذي يقف على خشبة تتدلى منها كابلات غير مؤمنة، أو يعمل على ارتفاع بجوار وحدة إضاءة ساخنة أو مستخدما مادية كيميائية دون حماية، هو لاعب سيرك بلا شبكة أمان. والنتيجة النهائية إرهاق نفسي وتراجع في مستوى الأداء.
قد يسأل سائل: ما الحل إذن؟ الجواب، لحسن الحظ، أقل درامية مما يتخيله صناع القرار. يمكننا، في غضون ستة أشهر، أن ننتقل من حالة “الأمل في السلامة” إلى حالة “النظام الذي يضمنها” عبر ثلاث خطوات.. إجراءات عاجلة لتأمين البيئة، برامج تدريبية منتظمة، ونظام إدارة متكامل يربط المسرح بالقانون والمعايير الدولية.
لكن قبل أن نبدأ، علينا أن نتخلى عن تلك القناعة الغريبة التي تقول إن المسرح مكان “للمخاطرة الإبداعية” – نعم، المخاطرة بالأسلوب والمعنى مقبولة، لكن المخاطرة بالحياة والأرواح جزء من الغفلة لا الفن.
فإذا كنا نريد مسرحا يعيش ويزدهر، فلا بد أن نعيد كتابة نص جديد، عنوانه: الإبداع الآمن. أما إذا اخترنا أن نؤجل ذلك، فسنظل ننتج عروضا لامعة، لكن مع جمهور يتساءل في سره من سيسقط الليلة أولا؟!
https://forms.gle/2s2CV7bxXmbUnG859
















