# من أول السطر
بين الفينة والأخري يتوقف صرير القلم قليلا، ويلتحق مؤقتا بركب المتابعين والمشاهدين، دون قول أو تعليق، ربما رغبة في القراءة المتعمقة والتحليل الصائب لتلك الرسائل الزاعقة، ولهذا السيل المتدفق من طوفان المعلومات والمتناقضات، التي نعايشها ليلا ونهارا في هذا الفضاء السحابي الغريب..
وفي هذا الزحام والوهم السلبي المتصاعد تختفي سردية الحقيقة وتظهر صورا عديدة مع هذه السجالات والمجادلات العقيمة وحلقات المراء ما بين سلبي وإيجابي، ومع هذه التعليقات المتبابينة ومع تلك الرؤي الملتوية التي تفتقد عناصر الإقناع والحجج المنطقية والعاطفية.
والغلبة في نهاية الأمر وفي معظم هذه المناظرات لمن يوجهون سهاما خبيثة تخدم أجندات خفية بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، ابتغاء إحداث تأثير سلبي عبر أساليب ومسارات تبدأ من محاولات تغييب الوعي وصناعة الاغتراب والعبث الفكري والوجداني وتقديم الشيء ونقيضه، وربما تعمد الإجتزاء والتزييف وتنتهي حتما إلي التشكيك في كل شيء.. وربما إلي لا شيء!.
وهنا مكمن الخطورة، ومن ثم ضرورة الإنتباه لطبيعة المواجهة التي تكشف عن ملامح الحرب المعلوماتية الجديدة وتضع تحديات جديدة أمام الإعلام بكافة روافده، فقد استمرأت الوقوف الدائم في المنطقة الرمادية، حيث لا يقين ولا فائدة ولاحقيقة ثابتة، في سبيل النيل من ثوابت القيم ونسق الهوية والأخلاق!.
ومع هذه السيولة الرقمية التي صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أمست بديلا عصريا للإعلام، ومع هذا الكم الهائل من المعلومات المغلوطة، تعالوا بنا نحاول فهم الواقع، وما المخرج قبل فوات الأوان؟!
في تصوري أن السيولة الرقمية هي حالة معاصرة من الفوضى في التعاطي مع ” المعلومات، والتوظيف الخاطئ لوسائل منصات الإعلام الإجتماعية في حياتنا، ونتيجة لهذا، مع افتقار الكثيرين لعدم فهم وظيفتها، ومن ثم تهيئة المناخ للوقوع كفريسة سهلة في شراك الخلايا الرقمية الموجهة، حيث يسهل التأثير عليهم وإقناعهم أو تحييدهم وعزلهم، وفقا لاستراتيجات الهيمنة وحرب العقول.
كما تشير الفوضي الرقمية إلى حالة من الارتباك أو الفوضى في الفضاء الرقمي، ويمكن أن تشمل مظاهر هذه الفوضى:
ـ المعلومات الزائدة: حيث يختلط الحابل بالنابل، وتتوه العقول وتتشتت الأذهان بين هذه الكم اللانهائي من المعلومات مما يصعب العثور على المعلومات المفيدة.
ـ الاختراقات السيبرانية: والتي تهدد سلامة أمن المعلومات مثل الاختراقات والفيروسات التي تؤثر على البيانات ومعدلات الأمان.
ـ التباين في المعايير: الاختلاف والتغير الدائم في المعايير والبروتوكولات الرقمية مما يسبب تحديات في التواصل والتعاون.
ـ “الخوارزميات” المتحيزة: التي تسمح بتمرير المحتوى المضلل و”التافه”، وتعطيل وربما تجميد حركة المضامين الهادفة!.
وكنتيجة منطقية، فمن اسوأ صور الحصاد المر لتأثيرات الفوضى الرقمية صعوبة العثور على المعلومات المفيدة وسط الكم الهائل من البيانات، والتعرض الدائم للمخاطر الأمنية التي تهدد سلامة المعلومات والخصوصية، علاوة علي تحديات غياب التعاون والتواصل الفعال بسبب التباين في المعايير والبروتوكولات.
وهذه الفوضى الرقمية تلقي بالعبء والمسؤولية علي الجهات المعنية بشقيها الرسمي والبديل نحو اتخاذ آليات تنظيم المعلومات الرقمية بطريقة فعالة، وتعزيز الأمن الرقمي لحماية البيانات وتحصين الخصوصية، والسعي نحو توحيد المعايير والبروتوكولات الرقمية لتسهيل التواصل بصورة أكثر فعالية.
بشكل عام، الفوضى الرقمية هي تحدٍ في عصر التكنولوجيا الرقمية، ومن المهم التعامل معها بفعالية لضمان الاستفادة القصوى من الفضاء الرقمي الرحب، وإتقاء شروره بمنطق “خذ من خليلك ما صفا ودع ما فيه الكدر’.
ومن أسوأ صور تلك السيولة حرب المعلومات الرمادية، وهي مصطلح يشير إلى استخدام المعلومات بطرق غير تقليدية أو غير مباشرة للتأثير على الرأي العام أو تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.
ووفقا لمعطيات الواقع تشمل أساليب حرب المعلومات الرمادية:
ـ التلاعب بالمعلومات: عن طريق استخدامها بطرق غير دقيقة أو مضللة.
ـ التأثير على الرأي العام عبر توظيف الشائعات وبث معلومات مزيفة لتحقيق أهداف معينة.
ـ الاستخدام غير المباشر: عبر استخدام وسائل وأساليب غير مباشرة لنشر رؤي وبيانات ومعلومات وتفسيرات مغرضة.
ومن التاثيرات السلبية لحرب المعلومات الرمادية
ـ التأثير على الثقة في طبيعة المعلومات ومصادرها.
ـ استهداف الأجيال الجديدة معدومة أو قليلة الخبرة، و ذات الطموحات اللامحدودة!.
ـ التأثير على القرارات: يمكن أن تؤثر على القرارات التي يتخذها الأفراد أو المجموعات.
ـ التأثير على الاستقرار: فلا ريب أن هذه الحرب تؤثر سلبا على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ولكيفية مجابهة حرب المعلومات الرمادية أتصور ضرورة:
ـ التحقق من دقة المعلومات حول القضايا والأحداث قبل نشرها أو استخدامها.
ـ التفكير النقدي: التفكير النقدي في المعلومات المقدمة وتقييم مصداقيتها.
ـ تعزيز الشفافية في نشر المعلومات كاملة غير منقوصة سواء إيجابية أو سلبية ودون تهويل أو تهوين وتوضيح المصادر.
ـ تدريب القائمين بالاتصال وحراس البوابات الإعلامية وقادة الرأي والمؤثرين علي الوعي بمخاطر هذه المعركة، والعمل طوال الوقت علي إعداد مرجعيات إعلامية موثوقة ومحترفة.
وللخروج من هذا المأزق المجتمعي الراهن الذي يضرب “الإعلام” في مقتل يطرح بعض المختصين وأساتذة الإعلام أطروحات حول تطوير مناهج كليات الإعلام لتواكب التعقيد الرقمي، وتركز على التفكير النقدي، التحقيق، تحليل البيانات، الأخلاقيات، والفهم المتخصص للسياقات، مع التدريب المستمر للإعلاميين الحاليين وإعادة تأهيل الكوادر القادرة علي مواكبة مستجدات العصر وفهم طبيعة جمهوره.
ـ إدراك الأبعاد للتحديات الإعلامية التي تجمع ما بين الفقر والإهمال المهني وبين طبيعة المشهد الإعلامي المتشابك.
ـ وأيضا دعم الاستقلالية من خلال خلق بيئة تشجع على الإعلام المستقل والمهني، عبر حماية قانونية حقيقية، وتمويل مستدام .
ـ تعزيز التربية الإعلامية فتمكين الجمهور بمهارات تمييز المصادر الموثوقة، وعملية التحقق من المعلومات، وفهم آليات صناعة الإعلام ضروره ليكون الجمهور شريكاً فاعلاً في مواجهة هذه المتناقضات.
وخلاصة القول إن حرب المعلومات الرمادية هي قضية مهمة في عصر تكنولوجيا المعلومات، ومن المهم التعامل معها بطريقة فعالة لحماية الرأي العام وضمان حقوق الإنسان وحماية الشباب من تأثيراتها المدمرة.
وقريبا من نظرية المؤامرة. أتصور أننا أمام استراتيجية أممية خفية تدار من خلف الكواليس بحنكة ومكر ،كشفتها بعض الدراسات والأطروحات، للتلاعب بالعقول وتفخيخ الوعي المجتمعي، وبث روح الإتكالية والفوضوية والاستحقاق السلبي، ودعم قيم الاستهلاك اللامحدود، وهي من أسوء مفرزات العصر الرقمي المفتوح ..
وحين يكثر الجدل والمراء السلبي، وتننشر القناعات اللامحدودة والتأويلات والتفاسير الخاطئة للأحداث والمواقف، فاعلم أنك أمام نسق حداثية لا تعترف بالتأطير ولا تؤمن بالقيم والضوابط الحاكمة، وابحث دائما عن الأطراف المستفيدة في هذا الصراع الذي تحول بمرور الوقت لهيمنة استراتيجية شاملة، ولصدام حضاري غير متكافئ!..
ومن مستهدفات السيولة الرقمية غير المعلنة بشكل عام، العبث في منظومة القيم بأبعادها الدينية والوطنية والتراثية وإحداث تأثيرات مباشرة وغير مباشرة تقود حتما للتراجع القيمي والأخلاقي التدريجي عبر إحداث التأثير اللإنتقالي عبر التعرض التراكمي لصناعة الثقافة السائلة وتغيير الإتجاهات!.
إن فهم التغيرات الثقافية والاجتماعية في المجتمع الحديث أصبح وأمسي مسؤولية الجميع أفرادا وجماعات ومؤسسات عامة وخاصة..إنها معركة وجودية لا مفر من خوضها، المنتصر فيها من تحصن بثوابته العقيدية والوطنية الراسخة..ولله الأمر من قبل ومن بعد.
##














